الغربة أماني سيد

بعد حوازى قررنا انا وجوزى نأجل الخلفه شويه نكون اشترينا شقه تمليك وقدرنا نشيل قرشين للزمن. وبعد شهر من جوازى جوزى قالى فى فرصه سفر حلوه وبمرتب كبييير جدا سافرى وانا احاول اجيب لنفسى فرصه واخصلك احنا كده كده مافيش بينا عيال. سمعت كلامه وسافرت وكنت كل شهر بحوله جزء من مرتبى على اساس مقدم قسط شقه فى مكان راقى وكل فتره يكلمنى محتاح فلوس عشان النقاشه عشان الكهربا وانا كنت ببعتله وكل اما اقوله انزل زيارت كان يرفض ويقولى وفرى تمن التذاكر نجيب بيها حاجه مهمه.

​عدت سنه وقولت انزل اشوف البيت والشقه ونزلت لكن اللى اكتشفته اكبر صدمه ممكن اقابلها. روحت بيتى القديم ملاقتش حد. قولت اروح اشوف الشقه الجديده اللى سجلت صوره العقد وهو بيبعتلى تفاصيلها وهو بيكلمنى لكن اللى شوفته هناك كانت أكبر صدمه ممكن تقابل حد. خبطت الباب وفتح جوزى ولابس بيجامه ستان وبصلى بتوتر زقيته ودخلت وشوفت اختى قاعده ولابسه ابس بيتى. اتصدمت ولسه هصوت. لقيت اختى قامت ضربتنى بالقلم وقالتلى ده جوزى وقبل ما يكون جوزى كنت بنحب بعض من ايام الجامعه لكن هو مكنش معاه فلوس يتجوز عشان كده اتجوزك وسفرك وطلقك تانى يوم السفر.

​الكلام نزل عليا زي الميّه المغلية، الدنيا لفت بيا ومبقتش قادرة أقف على رجلي. بصيت لجوزي.. اللي كنت فاكراه جوزي.. وسألته بأعلى صوت عندي والدموع مغرقة عيني: “الكلام ده صح؟ أنت طلقتني؟” وقف مكانه، ملامحه اللي كانت كلها حنية واتحولّت لبرود مقرف، وبص في الأرض وقاللي: “يا بنتي افهمي.. الحب مبيأكلش عيش، وأنا وأختك بنحب بعض من زمان، بس كنا محتاجين زقة، محتاجين قرشين نبدأ بيهم حياتنا، وأنتِ بسم الله ما شاء الله ممرضه ومعاكى فلوس اد كده وعمرك ما كنتى هتساعدى اختك يالفلوس دى كلها و جالك عقد السفر ده على طبطاب.. فقولنا نضرب عصفورين بحجر!”

​ـ عصفورين بحجر؟! يعني أنا كنت بالنسبة ليهم مجرد سبوبة؟ مكنة فلوس بتطبع وهما يتدلعوا على حسابى ؟ أختي وقفت بكل بجاحة، حطت إيدها في وسطها وقالتلي: “ماتعمليش فيها الضحية يا حبيبتي، الشقة دي مكتوبة باسمي وباسمه بالنص، والفلوس اللي كنتِ بتبعتيها دي مهر شبكتي وتجهيز بيتي.. أنتِ أخدتي فرصتك وسافرتي وشوفتي الدنيا، سيبيلنا إحنا بقى العش الهادي نعيش فيه!”

​حسيت بنار قايدة في صدري، القلم اللي أدتهوني أختي كان واجعني في قلبي مش في وشي. بصيت للمكان.. النجف اللي دافعة تمنه، السجاد اللي كنت بنزل ألف في الغربة عشان أنقي أحسن خامة وأبعتله تمنه، حتى البيجامة الستان اللي هو لابسها.. أنا اللي كنت شارياها وبعتاها في شنطة هدايا مع واحد صاحبه!

​نزلت على ركبي في وسط الصالة وأنا بصرخ وبضحك زي المجنونة.. ضحك بوجع وقهر. هما الاتنين واقفين يتفرجوا عليا ولا كأنهم يعرفوني، ولا كأن دي أختي اللي من دمي ولحمي، ولا كأن ده الراجل اللي أمنتله على نفسي وحياتي. قمت وقفت على حيلى، مسحت دموعي بكمي، وبصيتلهم بصه عمري ما هنسى شكلها في عيونهم.. نظرة كلها غل وانتقام، وقولتلهم بصوت مرعب من كتر الهدوء: “الشقة دي، بالفلوس دي، بالحب الحرام اللي بينكم.. هتدفعوا تمنه غالي أوي.. أوي يا… يا أختي!”

​ودرت ضهري وخرجت ورزعت الباب ورايا، وأنا في دماغي فكرة واحدة بس.. مش هسيب حقي، وهوريهم الغربة دي علمتني إيه!

​نزلت السلم وأنا مش شايفة قدامي، رجلي كانت بتخبط في الدرج وروحي بتتسحب مني، بس كل خطوة كنت بخطيها كانت بتتحول لغل وفكرة واحدة عمالة تنخر في دماغي: “أنا مش هسيب حقي، لو تمنه هيكون عمري كله”. طلعت تليفوني وإيدي بترتعش، فتحت الرسائل وصور العقود والتحويلات البنكية اللي كنت ببعتها من الغربة.. كل قرش وكل مليم كنت بشقى بيهم في المستشفى والنبطشيات اللي ما بتخلصش، متوثقين باسمي وبحسابي.

​كلمت محامي شاطر من طرف واحدة صاحبتي، حكيتله وأنا صوتي مخنوق بالدموع، قالي: “اهدئي يا فندم، طالما معاكي إثباتات التحويلات ورسائل منه بيطلب فيها الفلوس دي عشان الشقة وتجهيزها، يبقوا وقعوا ومحدش سمى عليهم.. القانون مابيحميش المغفلين، بس بيحمي اللي معاه ورق”.

​أول حاجة عملتها، رحت عملت محضر إثبات حالة باللي حصل وبقسيمة الطلاق اللي اكتشفت إنها متسجلة غيابي من سنة ومن غير علمي، وقدمت كل كشوف الحسابات والتحويلات اللي بتثبت إن الفلوس دي طالعة من حسابي لحسابه هو شخصياً بغرض شراء عقار. المحامي قالي: “إحنا مش هنرفع قض..ية واحدة.. إحنا هنلف حبل المشنقة حوالين رقبتهم بالراحه. قض..ية تبديد أموال، ونصب، وطلب رد مبالغ غير مستحقة، وبطلان عقد الشقة طالما الفلوس مصدرها معروف ومثبت إنها ليكي”.

​عدى أسبوعين وهما عايشين في العش الهادي بتاعهم فاكرين إن الموضوع خلص وإن أقصى حاجة هعملها هي الكلمتين اللي قولتهم وأنا ماشية. لحد ما جه اليوم اللي الباب خبط عليهم، وب بدل ما تفتحه أختي تلاقي دليفري أو جارة، لقت محضر من المحكمة بإعلان الحجز التحفظي على الشقة وكل محتوياتها لحين الفصل في القضايا!

​المواجهة الثانية.. مين اللي بيضحك في الآخر؟

​تليفوني مابطلش رن.. هو يتصل وأختي تتصل، ورسائل عياط وتوسل من أختي اللي كانت من كام يوم حاطة إيدها في وسطها وبتقولي “ماتعمليش فيها الضحية”. ما رديتش على ولا مكالمة، وعملت بلوك لكل الأرقام، وبعتتلهم رسالة واحدة من تليفون المحامي: “المحكمة هي اللي بيننا.. والبيجامة الستان اللي أنت لابسها دي، هتاخدوها معاكم في كيس أسود وأنتوا مطرودين من الشقة.. ده لو ما دخلتوش السجن بتهمة النصب وتبديد الأموال”.

​عرفت من قرايبنا إنهم باعوا دهب أختي عشان يدفعوا للمحامين، وإن الخناقات بدأت تدب بينهم.. الحب اللي “مبيأكلش عيش” وبنوا أساسه على سرقتي وقهرتي، بدأ يتفصخ من أول قلق وهزة. جوزي اللي خانني بقى يلومها ويقولها “أنتِ اللي وزيتيني”، وهي تقوله “أنت اللي طمعت في فلوسها”.

​أنا واقفة دلوقتي في بلكونة الشقة الإيجار اللي قاعدت فيها مؤقتاً، بتفرج على شوارع مصر.. الغربة علمتني إزاي أكون قوية، وإزاي القرش اللي بييجي بالدموع والشقى مابيروحش هدر.. أنا مش هسيبهم إلا وهما على البلاطة، عشان يتعلموا إن الله حق، وإن اللي تبنيه على كسر قلب أقرب الناس ليك.. هيقع فوق دماغك ويهدك!

​مرت شهور والقضايا شغالة في المحاكم، والمحامي بتاعي كان زي الثعلب، كل ثغرة في القانون كان بيستغلها عشان يضيق الخناق عليهم. الشقة اللي كانوا فاكرين إنهم هيتهنوا فيها، بقت عبارة عن سجن ليهم؛ لا عارفين يبيعوها، ولا عارفين يتصرفوا في أي حاجة فيها بسبب الحجز التحفظي. أما أنا.. فرجعت شغلي في الغربة. نزلت تاني عشان أقف على رجلي، بس المرة دي نزلت وبقلب ميت. مبقتش أطحن نفسي في النبطشيات عشان أبعت لحد؛ القرش اللي كان بيطلع، كان بيدخل في حسابي أنا وبس، ولنفسي وبس. كنت بشتغل وأنا حاطة في بطني بطيخة صيفي، وعارفة إن حقي راجع راجع.

​في يوم، جالي تليفون من واحدة جارتنا في العمارت الجديدة اللي فيها الشقة، الست دي كانت بتعزني وعارفة أصل الحكاية. قالتلي بنبرة كلها شماتة فيهم: “يا بنتي، فضايحهم بقت على كل لسان في المنطقة.. صوت خناقهم واصل لآخر الشارع، والبوليس جالهم ممرتين بسبب المحاضر اللي بيعملوها في بعض! أختك طردته من الشقة وهو نزل نام في عربية واحد صاحبه، ودلوقتي بيقطعوا في فروة بعض عشان مين اللي يشيل ليلة المحامين ومصاريف القضايا!”

​ضحكت.. ضحكت من قلبي بجد لأول مرة من سنة. الحب اللي قالوا عليه من أيام الجامعة، واللي “محتاج زقة” على حساب شقايا وعمري، طار وتبخر من أول موقف. الطمع عماهم، ولما الطمع اتمسك من رقابته، كل واحد فيهم نهش في التاني عشان ينجد نفسه.

​الأسبوع اللي فات، المحكمة أصدرت حكمها النهائي: أولاً: إلزام طليقي برد كافة المبالغ المحولة له، والتي ثبت بشهادة البنك ورسائل الواتساب إنها كانت بغرض الأمانة وشراء العقار، وجدولة المبالغ دي كديون واجبة النفاذ. ثانياً: تمكينى من الشقة بعد بطلان عقد البيع الصوري اللي كان باسمه وباسم أختي، طالما مصدر المال بالكامل كان من حسابي الشخصي.

​المحامي كلمني وقالي: “مبروك يا دكتورة.. الشقة رجعتلك، وهو يا يدفع الفلوس اللي عليه كاملة.. يا السجن مستنيه بتهمة تبديد الأمانة والنصب”.

​نزلت مصر في إجازة سريعة عشان أستلم شقتي. وقفت قدام الباب، نفس الباب اللي خبطت عليه من شهور وفتحهولي بالبيجامة الستان. المرة دي، أنا اللي معايا المفتاح، وأنا اللي بفتح بيتي بكرامتي وقوتي. لقيتهم كانوا بيلموا آخر حاجات ليهم في أكياس سوداء عشان يخلوا الشقة قبل ما قوة التنفيذ تيجي وتطردهم بالفضيحة. أختي بصتلي وعيونها مكسورة، وشها دبلان ومبقاش فيه أثر للبجاحة القديمة. وطت راسها في الأرض وهي معدية من جنبي وقالت بصوت واطي: “سامحيني يا أختي.. الله يجازي اللي كان السبب”.

​ما ردتش عليها، ولا حتى عاتبتها. العتاب ده بيكون للغاليين، للي باقيين على العشرة، لكن دول؟ دول ماتوا بالنسبة لي من يوم ما حطيت رجلي في الصالة دي وشوفتهم مع بعض.

​بصيت لطليقي اللي كان واقف زي الفار المبلول، شايل كيس هدمه وباصص للأرض. قولتله وأنا مبتسمة ببرود أعلى بمليون مرة من بروده القديم: “الحب مبيأكلش عيش يا ابن الناس.. والفلوس اللي كنت فاكرها سبوبة، أهو الشقى بتاعها هيوديك ورا الشمس. خدي أختي في إيدك واطلعوا بره.. العش الهادي خلاص صاحبته رجعتله”.

​قفلت الباب وراهم، ورزعت القفل الجديد. وقفت في نص الصالة، أخدت نفس عميق وكأني كنت مخنوقة بقالي سنين ووشي رجعتله الروح. الغربة مكنتش مجرد سفر وفلوس.. الغربة طلعت بتعلم إزاي تدوس على الوجع، وإزاي تاخد حقك تالت ومتلت ومن غير ما تلوث إيدك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *