صارح رجل زوجته بأنه لا يحبها

كان اسمه كريم، رجلًا من بيروت تزوج من فتاة اسمها هبة باختيار أهله، لا لأنه أحبها، بل لأن والديه أصرّا أنها بنت محترمة ومن بيت طيب وستحفظه في غيابه. دخل كريم الزواج وقلبه فارغ، حاول في البداية أن يقترب منها ويقنع نفسه أن العشرة ستصنع الحب، لكن كل محاولاته كانت باردة مثل كلامه معها. أما هبة، فكانت تفعل كل شيء بصمت، تجهز له الطعام، ترتب بيته، تحفظ ما يحب وما يكره، وتنتظر منه كلمة واحدة تجعلها تشعر أنها زوجة لا ضيفة ثقيلة. مر عام كامل، وكان كريم يعود كل يوم إلى البيت وفي قلبه ذنب يكبر، لأنه يعلم أنها لا تستحق أن تعيش مع رجل ينظر إليها كواجب لا كشريكة.

وفي عمله، تعرف على زميلة اسمها رنا، كانت تضحك لكلامه، تسمعه باهتمام، وتمنحه الشعور الذي ظن أنه مفقود في بيته. بدأ يقنع نفسه أن الصراحة أفضل من الخيانة، وأن الطلاق سيحرر هبة من حياة لا حب فيها، لكنه لم يكن يعرف أن الحقيقة التي يراها من زاويته ناقصة جدًا. وفي ذلك اليوم، عاد من العمل فوجد هبة قد أعدت له الغداء، وضعت الأطباق التي يحبها، ورشت عطرًا خفيفًا في البيت، وارتدت فستانًا بسيطًا كأنها كانت تنتظر لحظة جميلة. لم يمد يده إلى الطعام، بل جلس أمامها بوجه جاد وقال: أريد أن أتحدث معك في أمر مهم. ارتبكت هبة وسألته: هل حدث شيء؟ تنفس كريم ببطء وقال: أنا لا أحبك، وأنتِ تعرفين ذلك. سكتت هبة، ولم ترفع عينيها عن الطاولة، فواصل كلامه كأنه يريد أن ينهي طعنته بسرعة. قال: تعرفت على فتاة تعمل معي، وأريد أن أتزوجها، ولا أستطيع أن أجمع بينكما، لذلك لا حل غير الطلاق.

كان يتوقع صراخًا، دموعًا، عتابًا، أو اتهامًا بالخيانة، لكنه فوجئ أنها رفعت رأسها وابتسمت ابتسامة هادئة موجعة. قالت هبة: أنا موافقة على الطلاق، لكن بشرطين فقط. تجمد كريم من هدوئها، وسألها: ما هما؟ قالت: الشرط الأول، لا تخبر أحدًا بقرار الطلاق لمدة شهر كامل. استغرب وسأل: لماذا؟ قالت: لأن أمك مريضة، وأبوك يفرح كلما رآنا معًا، لا أريد أن ينكسر قلبهما فجأة. شعر كريم بوخزة صغيرة، لكنه قال: والشرط الثاني؟ نظرت إليه هبة طويلًا وقالت: خلال هذا الشهر، تحملني كل صباح من غرفة النوم إلى باب البيت كما حملتني في يوم زفافنا. ضحك كريم بسخرية وقال: ما هذا الشرط الغريب؟ قالت بهدوء: سنة كاملة عشت معك زوجة على الورق، امنحني شهرًا أخرج فيه من حياتك بذكرى لا تهينني.

وافق كريم وهو يظن أن الأمر مجرد عاطفة نسائية ستنتهي بسرعة، لكنه لم يكن يعرف أن كل يوم من هذا الشهر سيكسر شيئًا داخله. في اليوم الأول، حملها بتردد، وكانت خفيفة جدًا، كأنه لم ينتبه من قبل أنها نحفت كثيرًا خلال السنة. في اليوم الخامس، لاحظ رائحة شعرها التي كانت تضعها كل صباح رغم أنه لم يمدحها مرة. في اليوم العاشر، سألته أمه وهي تضحك: ما شاء الله، كأنكما عروسان من جديد. لم يجب، لكنه شعر بالخجل لأنه يعرف أن هذا الحنان تمثيل مؤقت، بينما كانت هبة تعيشه كوداع حقيقي. في اليوم الخامس عشر، وجد على طاولتها دفترًا صغيرًا فيه وصفات أكل، وبجانب كل وصفة ملاحظة: كريم يحبها بدون فلفل، كريم لا يحب الملح الكثير، كريم يتضايق من الثوم. بدأ قلبه يرتبك، لا حبًا كاملًا بعد، لكن كأنه يرى امرأة كانت أمامه سنة كاملة ولم ينظر إليها بصدق.

في اليوم العشرين، اتصلت به رنا وسألته متى سينهي الأمر، فشعر لأول مرة أن صوتها حاد ومتعجل، لا يشبه الهدوء الذي كان يهرب إليه. في اليوم الخامس والعشرين، وهو يحمل هبة، أحس أن جسدها يرتجف، فسألها بخوف: هل أنتِ مريضة؟ ابتسمت وقالت: تعب بسيط. لكن في الليل، دخل المطبخ فوجدها تمسك طرف الطاولة حتى لا تسقط، ووجهها شاحب كأنها تخفي ألمًا كبيرًا. في اليوم التاسع والعشرين، قرر كريم أن يخبرها أنه لم يعد متأكدًا من الطلاق، وأنه يريد فرصة جديدة، لكنه وجدها قد تركت على السرير ظرفًا أبيض.

فتح الظرف بيد مرتبكة، فوجد تقريرًا طبيًا قديمًا، ونتيجة فحوصات تؤكد أن هبة كانت مريضة منذ شهور، وكانت تخضع لعلاج صعب وحدها دون أن تخبره. سقط كريم على الكرسي وهو يقرأ سطرًا جعل دموعه تنزل: الحالة تتدهور بسبب الضغط النفسي وفقدان الشهية. ركض إليها في الصالة، فوجدها ترتدي عباءتها وتضع حقيبة صغيرة بجانب الباب. قال بصوت مكسور: لماذا لم تخبريني؟ قالت: لأنك كنت تبحث عن حب خارج البيت، ولم أرد أن أكون سببًا في بقائك شفقة لا حبًا. حاول أن يمسك يدها، لكنها سحبتها بلطف وقالت: انتهى الشهر يا كريم. وفي تلك اللحظة، رن هاتفه برسالة من رنا تقول: لا تنسَ أن تنقل الشقة باسمك قبل الطلاق حتى لا تأخذها زوجتك المريضة.

تجمد كريم، ونظرت هبة إلى الهاتف دون أن تتفاجأ، ثم أخرجت ورقة ثانية من حقيبتها وقالت: الشرط الثاني لم يكن لأجلي فقط، كنت أريدك أن تحملني كل صباح حتى ترى بعينيك ما كانت رنا تعرفه عن مرضي. وقبل أن يفهم، دخل والده إلى الغرفة ومعه ملف قديم وقال: رنا ليست زميلتك بالصدفة، إنها ابنة الرجل الذي حاول أخذ شركتنا منذ عشر سنوات.

أكمل الوالد كلامه وعيناه تملؤهما الحسرة والغضب، موجهًا حديثه لكريم المصعوق: تلك الفتاة كانت تخطط لكل شيء، لقد تقربت منك بدافع الانتقام ولتدمير عائلتنا وتجريدك من كل ما تملك، مستغلةً غفلتك وانشغالك برغباتك الزائفة. وكانت هبة قد كشفت لعبتها بالصدفة عندما رأت أوراقًا ومراسلات تهدد عملنا، لكنها آثرت الصمت لتواجه مرضها اللعين أولاً، ولتحميك من فضيحة وخسارة مدوية دون أن تشعرك بالذنب أو تفرض نفسها عليك بالشفقة.

هنا انهار كريم بالبكاء على ركبتيه، وشعر بمدى صغر حجمه أمام تضحية وعظمة هبة، المرأة التي ظنها هامشية في حياته بينما كانت هي السند الحقيقي والدرع الذي يقيه الطعنات. تراجع عن فكرة الانفصال تماماً، وقام بحظر رنا من حياته وقطع كل صلة بها مهدداً إياها بالقانون من خلال المستندات التي أحضرها والده. التفت كريم نحو هبة، ممسكاً بيديها والدموع تطهر عينيه، مقسماً أن يقضي ما تبقى من عمره تحت قدميها طالباً الغفران، متعهداً بأن يرافقها في رحلة علاجها خطوة بخطوة، معلناً ولادة حب حقيقي وصادق في قلبه، حب لم تصنعه الكلمات العابرة، بل صهرته المواقف الصعبة والتضحيات النبيلة. ومنذ ذلك اليوم، تماثلت هبة للشفاء بفضل الدعم النفسي والحب الكبير الذي أحاطها به كريم، ليعيشا معاً حياة هادئة مبنية على الصدق والامتنان العميق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *