جوزي كل ما يرجع من بره
جوزي كل ما يرجع من بره، يقلع قميصه الأبيض بسرعة غريبة ويدخل الحمام يغسله بنفسه.. في الأول افتكرتها مجرد نظافة زيادة أو إنه مش عايز يتعبني، لكن لما لقيت كذا قميص متخبيين في شنطة السفر القديمة فوق الدولاب وفيهم بقع لونها غريب في ضهره، اتأكدت إن جوزي مخبي عني سر كبير بقاله أسابيع، وإن حياتنا الهادية بتتهد من غير ما أحس.
أنا ماليش في الدنيا دي بعد ربنا غير جوزي طارق. متجوزين من خمس سنين، قصة حب مفيش زيها، وهو طيب وحنين ومبيخبّي أسرار عني أبداً. حافظة ملامحه لما بيفرح، وعارفة نبرة صوته لما بيتوتر، وبعرف كويس أوي إمتى بيكون بيمثل عليا إنه طبيعي.
وعشان كده بدأت أقلق لما لاحظت إنه بقى بيتفادى يلمسني أو يقرب مني ساعات، وبقى ينام على بطنه دايماً وهو شادد اللحاف لرقبته. في الأول مهتمتش أوي، كنت أسأله وهو راجع من الشغل مجهد: مالك يا حبيبي؟ في حاجة تعباك؟ يبتسم بضعف ويقولي: مفيش يا نور… شوية ضغط في المكتب والمشاوير.
فكنت بصدقه، وبقنع نفسي إن الشغل هاده. لكن بعد كام يوم بدأت ألاحظ حاجة غريبة؛ الوجع والتوتر ده كان بيظهر في أوقات معينة.. تحديداً بعد ما يرجع من زيارة بيت والدته وأخته. وكل ما أحاول أتجاهل الشك، يرجع الخوف في قلبي بشكل أوضح. لحد ما أخدت بالي من تفصيلة قلقّتني جداً.. تقريباً في كل مرة يشتكي من الإجهاد ده، أو يدخل يغسل قميصه فوراً، بيكون بعد ما يروح هناك.
حنان أخته الصغيرة متعلقة بطارق جداً، وهو اللي متكفل بكل طلباتها من بعد وفاة والدهم. بتكلمه في التليفون بالساعات، ولما بنزورهم بتدخل معاه المطبخ أو الأوضة يتكلموا في حاجات لوحدهم. عشان كده عمري ما فكرت أربط بينها وبين أي حاجة وحشة.
لكن تكرار تصرفات طارق خلاني أفكر. وفي مرة، وهو قاعد سرحان والموبايل في إيده، سألته فجأة: هو في حاجة مضايقاك في بيت مامتك يا طارق؟ حنان فيها حاجة؟ فتح بقه عشان يرد، بس سكت فجأة لما تليفونه رن ولقى اسمها على الشاشة.. بص للشاشة كام ثانية بملامح مخطوفة، وبصلي.. كأنه مستنيها تقوله يرد يقول إيه! أو خايف أتكلم وهي على الخط.
ساعتها بس حسيت برعشة برد في صدري، لأني مفهمتش من إمتى وطارق بيخاف من مكالمة أخته، وليه نظراته ليا بقت مليانة ذنب وعلامات استفهام؟
وفي ليلة، صحيت على صوت أنين مكتوم جاي من الصالة. سحبت رجلي بالراحة وخرجت، لقيته قاعد في الضلمة، ساند ضهره على الكنبة وبيتأوه بوجع حقيقي، والدموع نازلة من عينيه. جريت عليه بخوف: إيه اللي تعبك يا طارق؟ قولي أرجوك! قالي وهو بيحاول يتعدل بسرعة ويخبي ملامحه: مفيش.. مغص خفيف في معدتي، ادخلي نامي أنتِ.
جيت ألمس ضهره عشان أساعده يقوم، لقيت جسمه اتنفض فجأة، وسحب نفسه بعيد عني بعنف، وقالي بصوت بيترعش ويصرخ بحدة لأول مرة: قلتلك مفيش! سيبيني براحتي يا نور.. مش عايز حد يلمسني!
استغربت قسوته وخوفه الزايد ده. تاني يوم الوجع والغموض زادوا، واليوم اللي بعده رجع البيت وقميصه فيه نفس البقعة. وفي كل مرة كنت بجيب سيرة إنه يكشف أو نروح لدكتور، كان بيتوتر ويزعق.
ومكانتش دي المرة الوحيدة.. في الكام يوم اللي فاتوا بدأت ألاحظ حاجات مرعبة: كل ما أفتح موضوع أخته حنان، يسكت فجأة أو يغير السيرة. كل ما أسأله عن البقع اللي في قمصانه، يقولي ده حبر أو عصير من المكتب، رغم إن شكلها مش كده خالص! أما حنان بقى… فكانت بتتصل بيا أنا مخصوص تسألني: طارق بياكل كويس؟ بيشتكي من حاجة؟ أرجوكِ خدي بالك منه ومتحمليهوش فوق طاقته! كأنها عارفة حاجة ومخبيعا عني، وبتجس نبضي إذا كنت عرفت ولا لأ.
وفي يوم سألتها في التليفون بوضوح: حنان، أخوكي ماله؟ في إيه بينك وبينه مخبينه عليا؟ سكتت كام ثانية كده وبعدين صوتها اترعش وقالت: مفيش.. هيكون في إيه يعني؟ وقفلت السكة. طريقا في الرد أكدتلي إن الكارثة بتطبخ برعاية أخته.
وفي يوم وطارق في الشغل، كنت بنضف الأوضة وبقلب فوق الدولاب.. لقيت شنطة السفر القديمة. فتحتها ولما طلعت القمصان القديمة اللي متدارية جوه… تلجت في مكاني! تقريباً تلات قمصان بيض، فيهم نفس البقعة في نفس المكان في الظهر. فضلت مبلمة ودموعي بتنزل. مش فاهمة إيه اللي أنا شايفاه ده، وفي الليلة دي، استنيته لحد ما نام وتأكدت إنه غرق في النوم من كتر المهدئات اللي بقى بياخدها. دخلت الأوضة بالراحة، وقعدت جنبه على السرير، وبشويش خالص… بدأت أرفع طرف التيشيرت اللي لابسه عن ضهره.
وفي اللحظة اللي شفت فيها اللي كان مخبيه تحت هدومه بقاله أسابيع… حسيت إن الدم نشف في عروقي، وقلبي هيقف من الصدمة والرعب. لأن اللي شفته مكنش شبه أي حاجة توقعتها في حياتي! بس سؤال واحد فضل يطاردني ويحرق عقلي: إزاي قدروا يعملوا فيا كده؟
فضلت واقفة جنب السرير، إيدي بترتعش وعيني مش قادرة تستوعب اللي شايفاه. على طول ضهر طارق كانت فيه آثار جروح قديمة وحديثة، خطوط طويلة ومتقاطعة، بعضها لسه محمر كأنه جديد، وبعضها بقى أبيض من الزمن. لكن اللي جمد الدم في عروقي مش الجروح نفسها… كان فيه تاريخ مكتوب بقلم أسود جنب كل أثر. تاريخ من شهر. وتاريخ من أسبوعين. وتاريخ من تلات أيام.
رجعت لورا خطوة وأنا حاسة إن الأرض بتميل بيا. مين اللي بيعمل فيه كده؟ وليه؟ وليه أخته عارفة؟ قضيت الليلة كلها صاحية، وبجمرد ما طلع الصبح، فتحت الشنطة القديمة تاني وبدأت أقارن التواريخ اللي على القمصان بالتواريخ اللي مكتوبة على ضهره. واتصدمت. كل بقعة دم على قميص كانت متوافقة مع واحد من التواريخ. يعني الجروح دي كانت بتحصل بشكل متكرر. ومن فترة طويلة.
لما رجع طارق من الشغل مساءً، واجهته لأول مرة. قلت وأنا حاطة القمصان قدامه: مش هسكت تاني… قولي الحقيقة. وشه اصفر. بص للقمصان، وبعدها بصلي. ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيه. مش خوف إنه يتكشف… خوف إنه يحكي. قعد على الكرسي وسكت دقايق طويلة. بعدها قال بصوت مبحوح: لو عرفتي الحقيقة… ممكن تكرهيني. صرخت فيه: الحقيقة أهون ألف مرة من اللي أنا عايشاه!
لكن قبل ما ينطق بحرف واحد… جرس الباب رن بعنف. مرة. واتنين. وتلاتة. كأن اللي برا مستعجل بشكل مرعب. طارق انتفض من مكانه فجأة. ولما بص من العين السحرية، وشه فقد لونه بالكامل. جريت عليه أسأله: مين؟ لكنه مردش. فضل واقف متجمد. ولما بصيت من وراه… لقيت حنان واقفة برا الباب. بس مش لوحدها. كان معاها راجل كبير في السن، وشكله متوتر جدًا، وفي إيده ظرف بني ضخم. أول ما فتحنا الباب، حنان دخلت وهي شبه منهارة. وقالت جملة واحدة قلبت الدنيا: خلاص… عرفوا مكانك.
سكت البيت كله. أما الراجل الكبير، فمد الظرف ناحية طارق وقال: أنا حاولت أأخرهم على قد ما أقدر… بس مفيش وقت. فتحت نور الظرف بسرعة قبل ما حد يمنعها. وكانت الصدمة… الظرف مليان صور. صور لطارق. وصور لوالده قبل وفاته. وصور لمزرعة قديمة مهجورة. وفي آخر صورة تحديدًا… كان فيه باب حديد صدئ تحت الأرض. ومكتوب عليه بخط أحمر: ممنوع الفتح. لكن اللي خلى قلب نور يقف فعلًا… إنها لاحظت شيئًا صغيرًا في الصورة الأخيرة. شيئًا كانت قد رأته من قبل… نفس الرمز المرسوم بجوار الباب الحديدي كان محفورًا على ضهر طارق، وسط الجروح القديمة! وعندها فقط فهمت أن السر لم يبدأ مع طارق… بل بدأ قبل سنوات طويلة، يوم اختفى والده فجأة، والكل قال إنه مات في حادث عادي. لكن يبدو أن الحقيقة كانت شيئًا آخر تمامًا…!
نور كانت ماسكة الصورة بإيدين مرتعشتين، وعينيها رايحة جاية بين الرمز اللي في الصورة والرمز اللي شافته محفور على ضهر طارق. رفعت رأسها ببطء وقالت: إيه ده؟ وإيه علاقة أبوك بكل ده؟ طارق قعد على الكرسي كأن رجليه مبقوش شايلينه. أما حنان فكانت بتعيط بصمت. الراجل الكبير قفل باب الشقة بنفسه واتأكد إنه مقفول كويس، وبعدها قال: الوقت خلص… ولازم تعرفوا الحقيقة كلها. سكت لحظة، ثم أخرج من جيبه مفتاحًا قديمًا جدًا، أسود اللون ومغطى بخدوش عميقة. وضعه فوق الطاولة. المفتاح ده كان مع أبو طارق يوم اختفى.
نور حست بقشعريرة. بس أنتم قلتوا إنه مات في حادث! بادل الراجل نظرة سريعة مع طارق وقال: إحنا قولنا كده للناس… لكن الحقيقة إن جث..ته عمرها ما اتلاقت. الصمت نزل على المكان كالصاعقة. نور بصت لطارق في ذهول: يعني إيه؟! طارق غمض عينيه وقال بصوت متكسر: يعني أبويا اختفى… ومحدش عرف راح فين.
وفجأة مد الراجل الكبير يده إلى الظرف وأخرج ورقة صفراء قديمة مطوية. كانت مهترئة من الأطراف وكأنها اتفتحت واتقفلت مئات المرات. فتحها أمامهم. وفي منتصفها خريطة مرسومة باليد. الخريطة كانت تشير إلى المزرعة المهجورة الموجودة في الصور. لكن كان عليها ملاحظة بخط مختلف عن باقي الكتابة: إذا وصلتم إلى هنا بعد اختفائي… فلا تفتحوا الباب مهما حدث.
نور ابتلعت ريقها بصعوبة: مين كتب الكلام ده؟ أجاب الراجل: أبو طارق بنفسه. وفي نفس اللحظة تقريبًا… رن هاتف طارق. رقم مجهول. الكل بص للشاشة. رن مرة. ثم مرة ثانية. ثم ثالثة. وأخيرًا رد. رفع الهاتف إلى أذنه، وسكت. ثانية… واتنين… وفجأة شحب وجهه بشكل مخيف. نور قربت منه: مين؟ لكن طارق لم يرد. كان يسمع فقط. ثم خرج صوت رجل مسن من سماعة الهاتف بصوت متقطع وضعيف: طارق… لو بتسمعني… متروحش للمزرعة… انحبس النفس في صدور الجميع. لأن الصوت… كان مطابقًا تمامًا لصوت والد طارق في التسجيلات القديمة الموجودة عندهم في البيت. وقبل أن ينطق أحد بكلمة، سُمع خلف الرجل في المكالمة صوت باب حديد ضخم يُفتح ببطء… ثم انقطع الخط فجأة.
تجمد الجميع في أماكنهم. الهاتف سقط من يد طارق على الأرض، والصمت بقى أثقل من أي صوت. حنان كانت أول واحدة اتكلمت: مستحيل… مستحيل يكون ده صوته! لكن طارق كان شاحبًا بشكل مرعب، وعينيه ثابتتين على الفراغ. قال بصوت خافت: ده هو… أنا متأكد. نور حست إن قلبها بيدق بعنف. لو كان والده حيًا فعلًا… فأين كان كل هذه السنين؟ ولماذا ظهر الآن؟
الراجل الكبير مد يده بسرعة وأخذ الخريطة من فوق الطاولة: لازم نمشي حالًا. على فين؟ المزرعة. نور اعترضت فورًا: بعد المكالمة دي؟ الراجل بنفسه بيقول متروحوش! لكن الراجل هز رأسه وقال: وده بالضبط السبب اللي يخلينا نروح.
بعد ساعة كانوا في الطريق. المزرعة كانت بعيدة، في منطقة شبه مهجورة، والطريق المؤدي إليها ضيق ومحاط بأشجار عالية حجبت ضوء القمر. كلما اقتربوا، كان التوتر يزيد. وحين وصلوا أخيرًا، وجدوا شيئًا لم يكن موجودًا في الصور القديمة. بوابة المزرعة كانت مفتوحة. على مصراعيها. كأن أحدًا دخل قبلهم بدقائق.
دخلوا بحذر. المكان مهجور فعلًا، لكن الغريب أن هناك آثار أقدام حديثة على التراب. أكثر من شخص. وأحد الآثار كان يبدو كأنه لشخص يجر قدمه بصعوبة. تبعوا الآثار حتى وصلوا إلى المخزن القديم الظاهر في الصور. الباب الخشبي كان مخلوعًا. وفي الداخل كانت الفوضى في كل مكان. أدراج مفتوحة. صناديق مكسورة. وأوراق متناثرة على الأرض. كأن أحدًا كان يبحث عن شيء مهم.
ثم فجأة… توقفت حنان. وأشارت إلى الحائط. هناك، خلف طبقة من الغبار، ظهر نفس الرمز المحفور على ظهر طارق. لكن هذه المرة كان أكبر بكثير. وتحته عبارة قصيرة مكتوبة بخط باهت: الحقيقة تحت الأرض. قبل أن يستوعبوا الجملة، سمعوا صوت ارتطام قوي في مكان قريب. الجميع التفتوا. الصوت جاء من أسفل المخزن. كان هناك باب حديدي قديم مخفي تحت ألواح خشبية مكسورة. نفس الباب الموجود في الصورة الأخيرة. اقترب طارق ببطء. وكان قلبه يكاد يخرج من صدره. وما إن لمس المقبض الصدئ… حتى سمعوا من خلف الباب صوتًا مكتومًا. صوت شخص يطرق من الداخل. طرقة واحدة… ثم اثنتان… ثم ثلاث طرقات متتالية. وكأن أحدًا محبوس هناك… وينتظر منذ سنوات أن يفتح له أحد الباب.
تراجع الجميع خطوة للخلف. الطرقات تكررت. ثلاث طرقات بطيئة… ثم صمت. نور أمسكت ذراع طارق بقوة: إحنا لازم نبلغ الشرطة. لكن الراجل الكبير هز رأسه بسرعة وقال: لو كان فيه حد جوه فعلًا، مفيش وقت. اقترب طارق من الباب الحديدي، والمفتاح القديم في يده. الغريب أن المفتاح كان بنفس شكل القفل تمامًا. كأنه صُنع له خصيصًا. أدخل المفتاح. دار بصعوبة. صدر صوت احتكاك معدني حاد دوّى في المكان كله. ثم… فتح الباب سنتيمترات قليلة. خرج هواء بارد جدًا من الداخل. بارد بشكل غير طبيعي. ونزلوا السلم الحجري الضيق بحذر. درجة… ثم درجة… ثم درجة أخرى. حتى وصلوا إلى غرفة واسعة تحت الأرض. لكنها لم تكن زنزانة كما توقعوا. كانت أشبه بأرشيف قديم. رفوف معدنية ممتدة على الجانبين. وصناديق خشبية مرقمة. وملفات كثيرة جدًا.
نور فتحت أول ملف وقعت عليه يدها. وفي اللحظة نفسها شهقت. الملف كان يحمل اسم والد طارق. وفي الداخل صور ووثائق وتقارير قديمة. لكن الصدمة الحقيقية كانت في الصفحة الأخيرة. صورة حديثة. حديثة جدًا. واضح أنها التُقطت خلال الأشهر الماضية. وفيها والد طارق واقف أمام نفس الباب الحديدي. حي. وبصحته. كأن السنوات لم تمر عليه. حنان بدأت تبكي. أما طارق فكان عاجزًا عن الكلام. وفجأة… سمعوا صوت جهاز كهربائي يعمل في آخر الغرفة: زززززز… التفتوا جميعًا. كان هناك مصباح صغير مضاء. وهذا يعني أن أحدًا كان هنا مؤخرًا. بل ربما ما زال هنا. بدأوا يتحركون ناحية الضوء. كل خطوة كانت أثقل من اللي قبلها. إلى أن وصلوا إلى غرفة أصغر خلف الأرشيف. الباب كان مواربًا. وداخلها مكتب قديم. فوق المكتب جهاز تسجيل. والأغرب… أن الجهاز كان ما زال يعمل.
اقترب طارق وضغط زر التشغيل. خرج صوت خشخشة قصيرة. ثم انطلق صوت مألوف جدًا: لو أنت بتسمع الرسالة دي يا طارق… يبقى أنت وصلت أخيرًا. ارتعش جسد طارق بالكامل. كان صوت والده. واضحًا. قريبًا. كأنه يتحدث من الغرفة نفسها. أكمل الصوت: أنا عارف إن عندك ألف سؤال… لكن قبل ما تعرف أي حاجة، لازم تعرف إن اللي سبب الجروح اللي على ضهرك… مش عدوك. بادل الجميع نظرات مذهولة. وتابع التسجيل: اللي عمل العلامة دي كان بيحاول يحميك. نور شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. لكن التسجيل لم ينتهِ. صدر منه صوت ارتطام مفاجئ. ثم صوت أنفاس متسارعة. ثم جملة أخيرة جعلت الدم يتجمد في عروقهم جميعًا: لو سمعتوا أي صوت وراكم… متبصوش.
وفي اللحظة نفسها بالضبط… سمعوا خطوات ثقيلة قادمة من آخر الممر خلفهم. تسمرت الأقدام في أماكنها. الخطوات كانت بطيئة… ثقيلة… وتقترب. نور شعرت أن قلبها بيدق في أذنيها. أما حنان فأمسكت بذراع أخيها بقوة حتى كادت تؤلمه. ولا أحد تجرأ أن يلتفت. كلمات التسجيل كانت لا تزال ترن في رؤوسهم: لو سمعتوا أي صوت وراكم… متبصوش. لكن الفضول والخوف كانا أقوى من أي شيء. مرت ثوانٍ طويلة كأنها ساعات. ثم جاء صوت جديد. صوت رجل عجوز يقول بهدوء: كبرت يا طارق.
رفع طارق رأسه فجأة. تجمد. لأن الصوت نفسه… هو صوت والده. ببطء شديد استدار. والباقون استداروا معه. وفي نهاية الممر وقف رجل مسن، شعره أبيض بالكامل، لكنه يحمل نفس ملامح الصور القديمة. نفس العينين. نفس الوقفة. نفس الندبة الصغيرة بجانب الحاجب. حنان شهقت وانهارت على الأرض من شدة الصدمة. أما طارق فلم يستطع الكلام. ظل ينظر للرجل كأنه يرى شبحًا. اقترب الرجل خطوة واحدة فقط وقال: أنا آسف. انهمرت دموع حنان: إنت حي؟! هز رأسه ببطء. لكن قبل أن يجيب… دوى صوت قوي فوقهم مباشرة. كأن شيئًا ضخمًا سقط في المخزن. ثم تبعه صوت تكسير. الرجل تغيرت ملامحه فورًا. واختفى الهدوء من وجهه. وقال بسرعة: معندناش وقت. نظر إلى طارق مباشرة: في ناس عرفوا إنك وصلت هنا. مين؟ ناس بتدور على حاجة أبوك أخفاها من سنين. نور سألت بسرعة: إيه هي الحاجة دي؟ سكت الرجل لحظة. ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا جدًا. مختلفًا عن كل المفاتيح التي رأوها. وقال: الحقيقة. ساد الصمت. ثم أضاف: والحقيقة دي هي السبب اللي خلاني أختفي… والسبب اللي خلاهم يراقبوا طارق طول السنين اللي فاتت.
وقبل أن يشرح أكثر… انطفأت الأنوار كلها فجأة. غرقت الغرفة في ظلام كامل. وفي السكون المرعب سمعوا صوت باب حديدي يُغلق في مكان ما. ثم صوت خطوات كثيرة. ليست خطوة شخص واحد. بل عدة أشخاص. ينزلون السلم المؤدي إلى القبو. وكان واضحًا أنهم يقتربون منهم بسرعة. الظلام كان خانقًا. ثوانٍ مرت وكأنها دهر، والكل واقف مكانه لا يرى شيئًا. ثم سمعوا صوت والد طارق يهمس: محدش يتكلم. توقفت الأنفاس. الخطوات فوق السلم كانت تزداد. شخص… ثم آخر… ثم أكثر من واحد. وكأن مجموعة كاملة نزلت إلى المخزن. نور كانت تسمع دقات قلبها فقط. وفجأة اشتعل ضوء صغير جدًا. والد طارق كان قد أخرج مصباحًا يدويًا صغيرًا من جيبه. أشار لهم أن يتبعوه. قادهم بسرعة إلى آخر الغرفة، حيث كانت توجد خزانة معدنية ضخمة ملتصقة بالحائط. ضغط على جزء معين منها. فصدر صوت خافت. وتحركت الخزانة ببطء. خلفها ظهر ممر ضيق لم يكن مرئيًا من قبل. همس: ادخلوا بسرعة. دخلوا واحدًا تلو الآخر. وبمجرد دخول آخر شخص، أعاد الخزانة إلى مكانها. بعد لحظات فقط… سمعوا أصوات الغرباء يدخلون الغرفة الرئيسية. كانوا قريبين جدًا. قريبين لدرجة أنهم سمعوا كلماتهم بوضوح. أحدهم قال بغضب: دوروا كويس… هو أكيد هنا. ورد آخر: والولد كمان. الولد. كانوا يقصدون طارق. بادل الجميع نظرات صامتة. أما والد طارق فكان وجهه متجهمًا بشكل لم يره أحد من قبل. نور همست: مين الناس دي؟ نظر إليها للحظة طويلة. ثم قال: ناس قضت عشرين سنة تدور على حاجة مش ملكها. وإيه الحاجة دي؟ مد يده إلى جيبه. وأخرج ظرفًا صغيرًا قديمًا. كان نفس الظرف الذي ظل محتفظًا به كل تلك السنوات. لكن المفاجأة… أنه لم يكن يحتوي على أوراق. بل مفتاحًا صغيرًا جدًا وقطعة معدنية دائرية محفور عليها نفس الرمز الموجود على ظهر طارق. ناولها لابنه. وقال: العلامة اللي على ضهرك عمرها ما كانت عقاب. نظر طارق للقطعة في ذهول. فأكمل والده: كانت وسيلة علشان أتعرف عليك لو افترقنا. ساد الصمت. ثم أضاف: في يوم اختفائي كنت عارف إن الخطر جاي. ومكنتش ضامن إني هرجع. فسيبت الدليل الوحيد اللي يثبت الحقيقة. نور سألت بسرعة: حقيقة إيه؟
وقبل أن يجيب… جاءهم صوت ارتطام قوي جدًا من خلف الخزانة. مرة. ثم مرة ثانية. ثم ثالثة. كأن الأشخاص في الخارج اكتشفوا الممر السري. تجمد الجميع. وفي اللحظة التالية سمعوا صوت معدن يُكسر بالقوة. والد طارق أغلق عينيه لثانية واحدة. ثم فتحهما وقال بهدوء غريب: للأسف… لقونا. وبدون أي مقدمات، أشار إلى نهاية الممر المظلم. هناك كان يظهر باب خشبي قديم جدًا. وقال: ورا الباب ده موجود الشيء اللي الكل بيدور عليه… واللي هيغير كل حاجة عرفتوها عن عيلتنا. ثم وضع المفتاح الصغير في يد طارق. وأضاف: بس قبل ما تفتحه… لازم تكون مستعد تعرف السر اللي خبيته عنكم عشرين سنة كاملة. طارق كان واقف والمفتاح الصغير بين صوابعه، كأنه شايل حمل السنين كلها في إيده. أما الأصوات خلف الخزانة فكانت بتزيد. ضربات قوية. صراخ مكتوم. وصوت معدن بيتلوى تحت الضغط. واضح إن اللي بيدوروا عليهم قربوا جدًا. نور بصت لوالد طارق وقالت بسرعة: قول الحقيقة دلوقتي! تنهد الرجل بعمق، وكأنه كان مستني اللحظة دي من عمره كله. ثم قال: من عشرين سنة… ما اختفيتش بإرادتي. سكت الجميع. أنا كنت شغال محاسب في شركة كبيرة وقتها. وبالصدفة اكتشفت إن فيه شبكة بتزور مستندات وتسرق أراضي وبيوت ناس كتير. جمعت الأدلة كلها عشان أسلمها للجهات المختصة. حنان همست: عشان كده اختفيت؟ هز رأسه: قبل ما أسلم الملفات بيوم واحد، عرفت إنهم عرفوا إني كشفتهم. وفي نفس اللحظة دوى صوت تحطم قوي خلفهم. جزء من الخزانة المعدنية وقع على الأرض. بقى واضح إن الوقت بينفد. أكمل بسرعة: هربت بالأدلة وخبيتها في مكان محدش يعرفه. لكنهم فضلوا يطاردوني سنين. ولما فشلوا يوصلوا ليا، بدأوا يراقبوا عيلتي. نور افتكرت فجأة الجروح على ظهر طارق. والعلامة؟ رد الرجل: فيه صندوق مقفول بالأدلة. مكانه متسجل بطريقة محدش يقدر يفهمها غير اللي معاه الرمز كامل. ثم نظر إلى ظهر طارق: الجزء الأخير من الرمز كان عندك طول الوقت. شهقت نور. فهمت أخيرًا ليه طارق كان بيخبي ظهره. الجروح ما كانتش جروح عشوائية. كانت آثار عمليات قديمة لإخفاء وحماية الرمز من ناس كانوا بيدوروا عليه.
وفجأة… وصلوا إلى الباب الخشبي في نهاية الممر. طارق أدخل المفتاح. القفل استجاب فورًا. فتح الباب ببطء. ودخلوا. الغرفة كانت صغيرة جدًا. في منتصفها صندوق حديدي أسود. فقط. لا يوجد شيء آخر. اقترب طارق. كان قلبه يدق بعنف. مد يده نحو الصندوق. لكن قبل أن يلمسه… جاء صوت من خلفهم: أخيرًا لقيناه. استداروا جميعًا. وتجمدت الدماء في عروقهم. أحد الرجال الذين كانوا يطاردونهم وصل إلى مدخل الغرفة. لكنه لم يكن غريبًا. نور عرفته فورًا. وحنان شهقت. أما طارق فبقي مذهولًا. لأن الرجل الذي يقف أمامهم كان شخصًا يعرفونه جميعًا منذ سنوات… شخصًا كان يدخل بيتهم ويجلس معهم ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم. شخصًا لم يخطر ببال أحد يومًا أنه وراء كل ما حدث. وكانت الصدمة الحقيقية أن هذا الشخص ابتسم بهدوء وقال: كنت متأكد إنكم هتوصلوا للصندوق في النهاية… عشان كده سبتكم تكملوا الطريق بدل ما أوقفكم. ثم رفع شيئًا صغيرًا في يده. شيئًا جعل وجه والد طارق يشحب فجأة. لأنه كان يحمل… النصف الآخر من المفتاح. ساد صمت ثقيل داخل الغرفة. الأنفاس متقطعة. والعيون كلها معلقة بالرجل الواقف عند الباب. نور كانت أول من نطق: إنت؟! الرجل ابتسم ابتسامة باهتة وقال: واضح إن المفاجأة نجحت. كان ذلك الرجل هو عماد… صديق والد طارق القديم، والرجل الذي ظل يزور والدتهم لسنوات، ويساعدهم في إنهاء الأوراق والمشاكل بعد اختفاء الأب. الشخص الوحيد الذي كانوا يعتبرونه فردًا من العائلة. حنان بدأت تهز رأسها بعدم تصديق: مستحيل… لكن والد طارق لم يبدُ متفاجئًا. بل أغلق عينيه للحظة وقال: كنت عارف إنك هتظهر في الآخر. اختفت الابتسامة من وجه عماد: وأنت كنت عارف من البداية إني بدور على الصندوق. رد الأب بهدوء: لا… كنت مستنيك تعترف. اقترب عماد خطوة. ثم أخرى. وفي يده نصف المفتاح المعدني. وقال: عشرين سنة وأنا بجمع القطع الناقصة. عشرين سنة من الانتظار. نور نظرت للصندوق. ثم للمفتاحين. ثم للأب. وفجأة فهمت. الصندوق لا يفتح بمفتاح واحد. بل بمفتاحين. النصف الذي مع طارق. والنصف الذي مع عماد. وهذا ما جعل عماد يتركهم يصلون إلى هنا. كان يحتاجهم. لكن المفاجأة الحقيقية جاءت من والد طارق. إذ قال فجأة: حتى لو فتحته… مش هتلاقي اللي بتدور عليه. تغيرت ملامح عماد: إيه قصدك؟ رد الأب: لأن الصندوق الحقيقي مش ده. تجمد الجميع. حتى عماد نفسه. أشار الأب إلى الصندوق الأسود في منتصف الغرفة. وقال: ده مجرد اختبار. سادت لحظة صمت مذهولة. ثم أكمل: كل اللي جرى كان علشان أعرف مين لسه بيدور على السر بعد السنين دي. بدأ الغضب يظهر على وجه عماد: بتكذب. لكن الأب أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية. ورفعها أمامه: السر الحقيقي موجود هنا. وفجأة… انطلقت صفارة حادة في أرجاء المكان. صوت إنذار قديم لم يُسمع منذ سنوات. ثم بدأت أرضية الغرفة تهتز اهتزازًا خفيفًا. نور فقدت توازنها تقريبًا. حنان أمسكت بالحائط. أما عماد فالتفت حوله بقلق لأول مرة. والد طارق نظر إلى ابنه وقال بسرعة: فيه مخرج واحد بس هيبقى مفتوح بعد دقيقة. وإنت؟ ابتسم الأب ابتسامة صغيرة. ابتسامة مليئة بالتعب. وقال: أنا قضيت عشرين سنة بهرب… النهارده انتهى الهروب. لكن قبل أن يشرح أكثر… صدر صوت تكسير هائل من الممر. ودخل بقية الرجال إلى الغرفة. وفي اللحظة نفسها انشقت قطعة من الأرض الحجرية ببطء… وكشفت عن درج سري يهبط إلى مستوى أعمق تحت المزرعة. مستوى لم يكن موجودًا على أي خريطة. وكان واضحًا أن السر الحقيقي… ما زال في الأسفل. الدور الأرضي انهار صوتُه في الخلفية، والإنذار القديم كان بيصرخ كأنه بيعدّ الثواني الأخيرة. طارق وقف على حافة الدرج السري، بين إنقاذ نفسه وبين الحقيقة اللي طول عمره مطارداه. نور مسكته من إيده بقوة: هننزل سوا يا نطلع سوا. لكن عماد كان بيقرب بسرعة ومعاه رجالة كتير دخلوا الممر. صوت خطواتهم كان بيقفل أي طريق للرجوع. الأب بص لطارق نظرة أخيرة، فيها راحة غريبة: ماتضيعش اللي تعبنا فيه سنين… انزل. وفي لحظة صمت خاطفة، دفع طارق ونور وحنان ناحية الدرج. وقعوا في الممر السفلي، والباب الحجري فوقهم بدأ يتقفل ببطء. نور رفعت وشها، صرخت: إنت جاي معانا! لكن الباب اتقفل. وفصلهم عن العالم كله. الظلام كان مطبق، لكن في آخر الممر كان فيه ضوء ضعيف جدًا. ومع كل خطوة، كان المكان بيتغير… مش مجرد سرداب. كان أشبه بمختبر قديم جدًا، مليان أجهزة متوقفة وأوراق متحفظة في زجاج. وفي المنتصف كان فيه ملف ضخم مفتوح على طاولة حديد. طارق قرب بخوف. فتح الصفحة الأولى. وشه اتجمد. الملف كان مكتوب عليه: مشروع إعادة الهوية – المرحلة الأولى وتحتها أسماء… أسماء عيلته كلها. أبوه. أمه. هو نفسه. حنان شهقت: إيه ده… إحنا إيه علاقتنا بالمشروع ده؟ لكن نور كانت بتقلب الصفحات بسرعة، وإيديها بترتعش. وفجأة وقفت عند صفحة معينة. رفعت عينها ببطء وقالت بصوت مكسور: إنتوا مش مجرد عيلة. سكتت لحظة: إنتوا شهود على تجربة معمولة من سنين. طارق بص لها: تجربة إيه؟ قبل ما ترد سمعوا صوت فتح باب من وراهم. بس المرة دي مكنش صوت عماد. كان صوت واحد تاني. هادئ جدًا. ومألوف بشكل مخيف. صوت قال: كنت عارف إنكم هتوصلوا للحقيقة دي بالذات. استداروا جميعًا. وكان واقف على باب المختبر نفس الرجل اللي قالوا إنه مات من سنين. والد طارق… لكن هذه المرة بملامح مختلفة تمامًا. ملامح شخص عايش الحقيقة طول عمره ومختفي عنها عمدًا. وقال بهدوء: الموضوع بدأ قبل ما تتولدوا… وانتهى دلوقتي. نور همست: إحنا مين بقى؟ الأب ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: أنتم الدليل أو الكارثة… حسب اللي هتختاروه دلوقتي. وفجأة النور انقطع بالكامل. وسُمع صوت جهاز قديم بيبدأ يشتغل من جديد. كأنه تم تشغيل التجربة مرة أخرى… لكن المرة دي بدون تحكم من حد. ونهاية القصة كانت صوت واحد بس في الظلام: المرحلة الثانية بدأت. الظلام استمر ثواني، لكن الإحساس كان كأنه عمر كامل. ثم فجأة سكت كل شيء. لا صوت أجهزة. لا خطوات. لا حتى أنفاس واضحة. نور فتحت عينيها ببطء، لقت ضوء أحمر خافت شغال من أعلى السقف. طارق كان واقف مكانه، ثابت بشكل غريب، كأنه بيستوعب حاجة أكبر من قدرته. همس: إحنا مش جوه مزرعة… إحنا جوه مكان معمول مخصوص لينا. حنان بصت حواليها بخوف: يعني إيه؟ الأب وقف في آخر الغرفة، وصوته كان هادي جدًا لأول مرة: يعني كل اللي حصل فوق كان اختبار. وكل اللي حصل تحت كان كشف الحقيقة. عماد ظهر من الظلام من ناحية تانية، لكن ملامحه كانت مختلفة… أهدى، كأنه هو كمان اتصدم بالحقيقة. قال: إحنا كلنا كنا فاكرين إننا بنطارد سر… طلعنا إحنا السر نفسه. نور بصت للصندوق المفتوح والملفات: طب وليه كل ده؟ ليه إحنا؟ الأب اقترب خطوة وقال: لأن فيه حاجة جوهكم مش موجودة في أي حد تاني. حاجة لو خرجت للعالم هتغير كل موازينه. طارق شد على إيده: إحنا مش تجارب! الأب هز رأسه: أنتوا مش تجارب… أنتوا نتيجة. سكت لحظة، ثم أضاف بصوت أخفض: والنتيجة دي بدأت تخرج عن السيطرة. وفجأة بدأ نفس الرمز اللي على ظهر طارق ينور بخط خفيف. وبعده ظهر نفس الضوء على ظهر حنان. وبعدها نور نفسها. الجميع رجع خطوة للخلف بصدمة. الاب قال بهدوء: المرحلة اللي جايه مش هتختاروا فيها الهروب… هتختاروا هتكونوا إيه. وفجأة الباب الحديدي في آخر القبو اتفتح لوحده. وضوء أبيض قوي ضرب المكان كله. وصوت مجهول قال: مرحبًا بكم في إعادة التشغيل النهائية. طارق مسك إيد نور وقال بصوت منخفض: أيًا كان اللي جاي أنا مش هسيبك. ونور ردت وهي بتبص للضوء: المهم نعرف إحنا مين الأول. وفي اللحظة اللي خطوا فيها ناحية الباب انقطعت القصة عند الخطوة الأولى وسُمع آخر صوت: تم تفعيل الهوية الحقيقية.