سر ابن الشارع اللي اتجوزته مصلحة
لما عرضت الجواز على راجل غريب من الشارع وموش لاقي يأكل، كنت فاكرة إني مسبكاها ومخططة لكل حاجة صح. كان باين إنه ترتيب مثالي عشان أرضي أهلي ومن غير أي شروط أو قيود. بس مكنتش أعرف الحقيقة اللي صدمتني لما دخلت بيتي بعد شهر واحد بس من الجواز!
أنا اسمي منة، عندي أربعة وتلاتين سنة، ودي حكايتي إزاي اتحولت من واحدة مستقلة وبتحب عيشتها السينجل، لواحدة اتجوزت راجل من الشارع، عشان دنيتي تتشقلب في ثانية وبأكتر طريقة غير متوقعة في الدنيا.
أبويا وأمي كانوا دايماً واقفينلي على الواحدة في موضوع الجواز ده من ساعة ما أفتكر. كنت بحس إن فيه ساعة بتعد في دماغهم، وبتحسب الثواني والدقائق لحد ما شعري يبدأ يبيض. وبسبب الموضوع ده، كانت كل قعدة عشا عائلية بتقلب فجأة لليلة صالونات وتوفيق راسين في الحلال.
أمي، ميرفت، كانت دايماً تبدأ وتقول: “يا منة يا حبيبتي، أنتي فاكرة ابن طنط هدى؟ ده لسة متورق ومترقي وبقى مدير إقليمي في الشركة بتاعته. إيه رأيك تخرجوا تشربوا قهوة مع بعض في أي يوم؟”
فكنت أرد عليها وأقول: “يا ماما، أنا مش مهتمة بالارتباط دلوقتي واصل، أنا كل تركيزي في شغلي ومستقبلي”.
فهنا يدخل أبويا، شريف، في الكلام ويقول: “بس يا بنتي، الشغل والمستقبل مش هيدفوكي بالليل لما تكبري. أنتي مش عايزة حد يشاركك حياتك وتكملي معاه؟”
فكنت أقولهم: “أنا مشاركة حياتي معاكم ومع صحابي، وده كفاية عليا قوي دلوقتي”.
بس هما مكنوش بيبطلوا ولا بيزهقوا. كان وابل مبيخلصش من أسئلة زي “طب وفلان؟” و”طب مشفتيش الشاب اللطيف ده؟”.
لحد ما جه يوم، وكل حاجة اتغيرت للأوضة. كنا قاعدين بنتعشى عشا يوم الأحد العادي بتاعنا، وفجأة أبويا وأمي رشقوا قنبلة في القعدة.
أبويا قال بنبرة جادة قوي: “منة، أنا وأمك كنا بنفكر في موضوع”.
فقلت في سري: “يا فتاح يا عليم، أدينا بدأنا”.
فهو كمل كلامه ولا كأنه سمع تريقتي وقال: “إحنا قررنا إن لو مكنتيش متجوزة قبل يوم عيد ميلادك الخمسة وتلاتين، مش هتشوفي مليم واحد من ورث العيلة”.
برقت عيني وقلت بصدمة: “إيه؟ أنتوا أكيد بتهزروا! مش ممكن تكونوا بتتكلموا بجد!”.
أمي ردت وقالت: “لأ بنتكلم بجد يا حبيبتي، إحنا مش هنعیش العمر كله، وعايزين نشوفك مستقرة ومتهنية، ونفرح بعيالك وإحنا لسة فينا صحة نقدر نلعب معاهم ونستمتع بيهم”.
وقلتلها وأنا دمي بيغلي: “ده جنان رسمي! أنتوا مش ممكن تلووا دراعي وتجبروني على الجواز بالطريقة دي!”.
أبويا صمم على كلامه وقال: “ده مش لوي دراع، ده نقدر نسميه… تشجيع”.
سبت البيت ومشيت ليلتها وأنا مش مصدقة اللي حصل ده واصل. حطوني قدام الأمر الواقع، يا إما ألاقي جوز في كام شهر، يا إما أقول للورث والفلوس باي باي. كنت متعصبة جداً، ومش عشان أنا هيمانة على الفلوس، لأ، الموضوع موضوع مبدأ. إزاي يدوا لنفسهم الحق يتحكموا في حياتي ومستقبلي بالشكل ده؟
قعدت أسابيع مبردش على مكالماتهم ولا بروح أزورهم. لحد ما في يوم بالليل، جت في دماغي فكرة جهنمية ملهاش حل.
كنت راجعة من الشغل وماشية في الشارع بفكر في الحسابات والمواعيد وضغط الشغل، لحد ما لمحته. راجل، شكله في أواخر التلاتينات، قاعد على الرصيف وماسك كرتونة وبيطلب مساعدة. شكله كان متبهدل على الآخر، دقنه مش محلوقة وطويلة، وهدومه مش نظيفة، بس كان فيه حاجة في عينيه… طيبة على حزن كدة خلتني أقف مكاني ومقدرش أمشي.
وفي اللحظة دي الفكرة طقت في دماغي. كانت فكرة مجنونة، بس حسيتها الحل المثالي لكل مشاكلي.
قربت منه وقلتله: “لو سمحت… يمكن اللي هقوله ده يبان جنان، بس… إيه رأيك لو نتجوز؟”
الراجل فتح عينه على الآخر من الصدمة وقال: “أنا آسف، بتقولي إيه؟”
أخدت نفس عميق وقلتله: “بص، أنا عارفة إن الموضوع غريب، بس اسمعني. أنا محتاجة أتجوز في أسرع وقت ممكن. هيكون جواز مصلحة وترتيب مؤقت. أنا هوفرلك مكان تعيش فيه، وهدوم نظيفة، وأكل، وفلوس. وفي المقابل، كل اللي عليك إنك تمثل إنك جوزي قدام أهلي لفترة بس. قلت إيه؟”
فضل مبحلق فيا لفترة حسيتها دهر كامل. كنت متأكدة إنه فاكرني بهزر أو مجنونة.
وقاللي: “يا مدام، أنتي بتتكلمي بجد؟”
أكدتله وقلت: “بجد جداً وربنا. أنا اسمي منة على فكرة”.
رد وقال وهو لسة مش مستوعب: “وأنا مصطفى. وأنتي بتتكلمي بجد وعايزة تتجوزي راجل من الشارع لسة عارفا حالا؟”
هزيت راسي وقلت: “عارفة إنه جنان، بس وحياتك أنا مش قاتلة متسلسلة ولا حاجة. أنا مجرد واحدة مزنوقة وأهلها منغصين عليها عيشتها”.
مصطفى ضحك وقال: “والله يا منة، أنا لازم أقول إن ده أغرب موقف حصلّي في حياتي كلها”.
قلتله: “يعني أفهم من كدة إنك موافق؟”
بصلي لثواني، ولمحت نفس اللمعة اللي في عينيه تاني، وقال: “تعرفي إيه؟ وأنا مالي، خربانة خربانة. إحنا فيها يا زوجتي المستقبلية، اتفقنا”.
وفي ثانية، حياتي أخدت طريق مكنتش أتخيله في أحلامي. أخدت مصطفى وعملتله شوبنج وجبتله هدوم جديدة، ودخلته صالون حلاقة تظبط، واتفاجأت جداً لما لقيت إن تحت كل التعب والبهدلة دي، طلع راجل وسيم وقمر.
بعدها بتلات أيام، أخدته وعرفته على أهلي على إنه خطيبي السرّي. وطبعاً لو قلت إنهم اتصدموا هكون بقلل من اللي حصل.
أمي صرخت وقالت: “منة! إزاي متقوليلناش حاجة زي دي؟”
كذبت وقلت: “أهو اللي حصل بقى يا ماما، كنت عايزة أتأكد إن الموضوع جد قبل ما أتكلم. بس أنا ومصطفى بنموت في بعض، مش كدة يا حبيبي؟”
ومصطفى، للأمانة، كمل اللعبة وسايرني بأعلى مستوى. وعاش الدور ولحس دماغهم بحكاوي من وحي الخيال عن قصة حبنا الإعصارية السريعة. وبعد شهر بالتمام والكمال، اتجوزنا في هدوء تام في المحكمة.
طبعاً أنا أمنت نفسي وعملت عقد اتفاق قانوني يضمن كل حقوقي وممتلكاتي عشان لو الخطة باظت في أي وقت. بس المفاجأة إن العيشة مع مصطفى مكنتش وحشة خالص، بل بالعكس. كان دمه خفيف، ذكي، ودايماً بيساعد في شغل البيت. وبقينا أصحاب والدنيا لذيذة، كأننا اتنين زمايل في سكن واحد وساعات بيضطروا يمثلوا إنهم دايبين في دباديب بعض.
بس كان فيه حاجة واحدة دايماً منغصة عليا وواقفة في زوري. كل ما أسأل مصطفى عن ماضيه، وإزاي وصل بيه الحال للشارع، كان بيقفل في الكلام فوراً. عينيه كانت بتغيم ويغير الموضوع بسرعة. كان لغز كبير مخليني فضولية وفي نفس الوقت متدايقة.
لحد ما جه اليوم اللي شقلب كل حاجة.
كان يوم عادي جداً، رجعت فيه من الشغل. وأول ما فتحت الباب، لمحت خط من ورق الورد الأحمر على الأرض شد انتباهي. الخط ده كان واخدني لحد الصالة جوه.
والمنظر اللي شفته في الصالة خلاني مش قادرة أنطق بكلمة! الصالة كلها كانت غرقانة ورد أحمر، وفي النص فيه قلب كبير معمول من ورق الورد على الأرض.
وفي نص القلب ده، كان واقف مصطفى.
بس مكنش مصطفى اللي أنا عارفاها واصل. مبقاش لابس الجينز والتيشرتات المريحة اللي أنا شرياهم له. لأ… كان لابس بدلة توكسيدو سودة شيك جداً، باين عليها إن ثمنها أكتر من إيجار بيتي بكام شهر. وفي إيده علبة قطيفة صغيرة.
طلعت الكلمة مني بالعافية وقلت: “مصطفى؟ هو إيه اللي بيحصل هنا؟”
ابتسم، وأنا حاسة إن قلبي دق بسرعة.
قاللي: “منة، أنا كنت عايز أشكرك لإنك قبلتيني في حياتك. أنتي خليتيني مبسوط فوق ما تتخيلي. وسعادتي مش هتكمل غير لو بقيتي بتحبيني بجد وتكوني مراتي فعلاً، مش مجرد اسم على الورق وفي الحقيقة لأ. أنا وقعت في حبك من أول لحظة شفتك فيها، والشهر اللي عشته معاكي ده كان أحلى شهر في حياتي كلها. تتجوزيني؟ بجد المرة دي؟”
وقفت وعيني مبرقة، وبحاول أستوعب اللي بيحصل ده في دماغي. ألف سؤال وسؤال بيجروا ورا بعض، بس فيه سؤال واحد نط قدامهم كلهم.
قلتله بالراحة: “مصطفى… إنت جبت فلوس كل ده منين؟ البدلة، الورد، والخاتم ده؟”
أخد نفس عميق وقال: “أظن جه الوقت اللي لازم تعرفي فيه الحقيقة. بصي، أنا عمري ما حكيتلك إزاي وصلت للشارع لإن الموضوع معقد جداً، ومكنتش عايز أحطك في موقف صعب، وكمان لإنني كنت حابب عيشتنا وحياتنا مع بعض قوي”.
وكمل كلامه وقال: “أنا بقيت في الشارع لإن إخواتي قرروا يخلصوا مني ويقشوا هما على الشركة بتاعتي. زوروا ورق، ومضوا مكاني، وسرقوا هويتي وكل حاجة باسمي. وفي يوم، رماني إخواتي في البلد دي، على بعد أميال من بيتي وحياتي. ولما حاولت أروح للشرطة، كانوا هما مظبطين كل حاجة بفلوسهم ونفوذهم ومحدش ساعدني، لدرجة إنهم ارتشوا المحامي بتاعي كمان”.
قعدت أسمع في صمت وهو بيفضفض ويحكي حكايته. إزاي خسر كل شقاه، وإزاي قعد شهور بيحاول بس يعيش ويتحمل قسوة الشارع. لحد ما قابلني، والمقابلة دي كانت الزقة اللي كان محتاجها عشان يقف على رجله ويحارب تاني.
وشرحلي وقال: “لما أنتي دخلتيني بيتك، وادتيني هدوم نظيفة، وأكل، وفلوس، قررت إني مش هسكت وهحارب. كلمت أكبر مكتب محاماة في البلد، مكتب إخواتي ميعرفوش يلووا دراعه لإنهم شغالين مع المنافسين بتوعهم أصلاً”.
وكشف السر وقال: “حكيتلهم حكايتي ووعدتهم بنسبة ومبلغ محترم لما نكسب. في الأول مكنوش عايزين يمسكوا القضية من غير مقدم، بس لما عرفوا إنهم كدة هيعلموا على منافسينهم، وافقوا فوراً. وبفضلهم، فيه جلسة في المحكمة الشهر الجاي، وكل ورقي وحساباتي في البنك رجعتلي وبقت تحت إيدي تاني”.
سكت شوية، وبصلي بنفس العينين الطيبة اللي شدتني أول مرة، وابتسم وقال: “عايز أكون صريح معاكي، أنا مش راجل فقير. أنا عشت عمري كله بدور على الحب الصادق، بس كل واحدة قابلتها كانت عينيها على فلوسي وبس. لكن أنتي، أنتي كنتي طيبة معايا وبنت أصول لما كنتي فاكرة إن معنديش مليم. عشان كدة أنا دايب فيكي. أنا آسف إني خبيت عليكي كل ده الوقت ده كله”.
رميت نفسي على الكنبة، مش قادرة أجمع ولا أصدق القصة دي. مش قادرة أستوعب إن الراجل اللي اتجوزته في لحظة جنان وطيش، يطلع في الحقيقة غني ومليونير وبيحبني بجد!
وقلتله بالعافية: “مصطفى… أنت بجد فاجئتني وصدمتني. أنا حاسة إن عندي مشاعر ناحيتك أنا كمان، بس كل المعلومات الجديدة دي كتيرة ومحتاجة وقت أستوعبها”.
هز رأسه بتفهم، وأخدني من إيدي لحد سفرة العشا، وقعدنا أكلنا العشا اللي كان هو مجهزه بنفسه. ولما خلصنا أكل، فتحت قلبي وقلتله:
“مصطفى، شكراً على المفاجأة الرومانسية دي. مفيش حد في حياتي كلها عملي حاجة بالجمال ده واصل”. وحسيت بدمعة بتنزل على خدي وأنا بتكلم.
وكملت وقلت: “أنا موافقة أتجوزك، ده قراري فعلاً دلوقتي. بس ممكن تطلب إيدي تاني كمان ست شهور؟ لو فضلت على قراري وموقفي متغيرش، هنعمل فرح بجد. خلينا الأول نشوف الدنيا هتمشي إزاي بينا مع كل التغييرات والمعلومات الجديدة دي. أنت قدامك معركة قوية في المحكمة الشهر الجاي، وأنا هكون جنبك وهظهرك في كل خطوة”.
وش مصطفى نور بضحكة وقال: “أنا طاير من الفرحة. طبعاً هسألك تاني كمان ست شهور. بس تقبلي تاخدي الخاتم ده مني دلوقتي؟”
هزيت راسي، وهو لبسني الخاتم في صباعي. وحضنا بعض، ولأول مرة، بّسنا بعض. مكنتش بوسة أفلام سينما وألعاب نارية ومزيكا شغال في الخلفية، بس كانت بوسة حقيقية، حسيت معاها إني أخيراً لقيت بيتي وأماني.
وأنا بكتب الكلام ده دلوقتي، لسة بحاول أستوعب كل اللي حصل معايا. أنا اتجوزت راجل من الشارع عشان أضايق أهلي وأعاند معاهم، عشان أكتشف في الآخر إنه راجل أعمال غني وعنده قلب دهب. الدنيا دي فعلاً فيها ياما وياما، وبتلف بطرق غريبة ميعلمهاش إلا ربنا.


