أنا عروسة بقالي ٦ شهور
أنا عروسة بقالي ٦ شهور، أنا بشتغل من زمان ومرتبي محترم وأعلي من مرتب جوزي بكتير، عمري ما اتكلمت في الموضوع، والمصروف اللي بيديهولي بمشي بيه البيت وبساعد في البيت من غير ما أقوله عشان مجرحوش وبحسسه إنه هو مكفيني وزيادة، وبقعد أدعيله وأشكر فيه قدام أهلي وأهله لحد ما اكتشفت المصيبة اللي غيرت حياتنا وقلبتها 180 درجة وحسستني أد إيه أنا كنت مغفلة.
المشكلة بدأت لما أهله بقوا كل ما أجيب أي حاجة جديدة في البيت يستكتروها علينا، وحماتي تقولي خفي على ابني شوية في المصاريف، وهي متعرفش إني شاريها من فلوسي. اشتريت عربية بالقسط بضمان مرتبي وأنا اللي بدفع أقساطها، وجوزي هو اللي بقي يركبها وأنا معتبرة إن مفيش فرق بينا، بقيت سيباهالُه وبقوله بس وصلني الشغل وتعالى خدني، مش عايزة أكتر من كدا وخليها معاك أنت بتتحرك أكتر مني، أنا يادوب بروح الشغل وبرجع ولو هروح عند ماما أنت هتكون معايا.
عمل كدا أول شهر وبعد كدا بقي يوديني الشغل الصبح واحنا نازلين سوا، ولما أكلمه عشان يعدي ياخدني مرة يتحجج إن الطريق زحمة ويقولي اركبي المترو إنتي وروحي أسرع، أنا الطريق زحمة ومش عارف أتحرك وهتأخر على ما أجيلك، ومرة تانية يتحجج إنه أدوله شفت زيادة في الشغل وهيتأخر فروحي إنتي لوحدك، وبقت كل يوم حجة شكل وكنت بصدق وأسكت وأعدي عشان المركب تمشي.
لحد ما في يوم كنا عند أهله بنزورهم، لقيت مامته وأخواته البنات بيتعاملوا معايا وحش وبيلقحوا بالكلام عليا إني ناحلة وبرو، وإنه مبقاش معاه فلوس بسبب العربية الجديدة وأقساطها اللي دبسته فيها، وميعرفوش إني أنا اللي جايباها وأنا اللي بدفع الأقساط وحتي البنزين أنا اللي بفوله لما يخلص رغم إنه هو اللي بيركبها وعمره ما فكر إنه يفولها يوم. واللي وجعني أكتر إن جوزي قاعد وسامع الكلام بتاعهم ده ومردش عليهم ولا حتى قالهم الحقيقة، كتمت في قلبي وسكت واستحملت وقولت أعدي اليوم وأهي مرة كل فترة اللي بشوفهم فيها بلاش أخرب بيتي بمشكلة ملهاش لازمة، المهم أنا وجوزي كويسين.
لحد ما في يوم حصلت مشكلة في قسط من الأقساط والمعرض قال إن الفلوس موصلتش، فتحت إنستا باي من على تليفوني وراجعت المعاملات البنكية عشان أشوف فلوس القسط موصلتش ليه، وهنا كانت الصدمة. لقيت جوزي محول من حسابي على حسابه مبالغ في أوقات مختلفة، مش دي المشكلة، لأن المشكلة الأكبر إني لقيته ماسح المسدج اللي بتوصل على التليفون عندي من البنك عشان معرفش. مسكت التليفون وروحت عشان أواجهه.
وبالفعل وريته المعاملات اللي تمت على حسابي البنكي والتحويلات اللي بعتها لنفسه، قالي أنا كنت هرجعهم ليكي أول ما يجيلي فلوس، قولتله ولما إنت نيتك ترجعهم ليه مقولتليش وليه مسحت المسدج اللي على تليفوني عشان معرفش؟ سكت ووشه اتغير وبدأ يتعصب ويقولي إنتي هتذليني؟ قولتلك هرجعهم ليكي، خلاص خلصنا بقي مكنوش مبلغ بسيط يعني اللي هتعملي عليه كدا، قولتله محول ٢٠ ألف من حسابي على حسابك وتقولي مبلغ بسيط وأنت عارف إني بدفع أقساط كل شهر للعربية.. طيب عملت بيهم إيه؟ من حقي أعرف، قالي ساعدت في جهاز أختي مقدرتش أقول لأهلي معيش، بصيت ليه وقولتله طب وأنا مالي أهلي؟ ما تدفع من مرتبك، إنت مبقتش تديني منه إلا حاجة بسيطة وتقولي أصلي مصاريفي بقت كتير وأنا بكمل من معايا وبسكت، بصلي وقالي إنتي مكبرة الموضوع أوي وسابني ودخل الحمام وقالي هاخد دش وأنزل عشان عندي مشوار مهم ومتأخر.
مشي من قدامي وسابني عمالة أغلي ودمي محروق وكأني ماليش قيمة حتى أعرف فلوسي راحت فين. ببص على كنبة الأنتريه لقيت تليفونه محطوط ونسي ياخده في إيده كالعادة ماهو أصله مش بيفارقه حتى وهو نايم بيحطه تحت مخدته وكأنه خايف من حاجة. حب الاستطلاع خلاني أمسك التليفون وأفتحه وأبص عليه، جربت كل التواريخ اللي تخصه على الباسورد عشان يفتح، تاريخ ميلاده، تاريخ عيد جوازنا، لحد ما كتبت تاريخ ميلاد والدته فتح، بس اللي اكتشفته لما مسكت التليفون كان أكبر بكتير من تخيلاتي وخلاني مش قادرة أخد نفسي من الصدمة، ده مطلعش إنه محول فلوس لنفسه من حسابي بس، ده طلع عامل بلوة أكبر فيا وأنا معرفش.
قلبي كان بيدق في وداني لدرجة إني مكنتش سامعة غير صوت أنفاسي المكتومة، إيدي بتترعش والتليفون نوره فاقع في عيني، دخلت على الواتساب، لقيت شات متثبت فوق باسم أمي، فتحته ولقيت كارثة مكتوبة نصاً: “يا ابني دي خايبة ومغفلة، خليهم كمان شهرين نخلص تشطيب شقتك ونجيب العفش، وبعدها ارميها هي وحاول تاخد منها العربية اللي دابسة نفسها فيها دي وخلبها تعملك توكيل، دي فلوسها حلال فينا، وبكرة لما تطلقها وتتخلص من نكدها، نخطبلك بنت الحلال اللي تريحك وتعرف إزاي تحافظ على قرشك”.
الكلمات بتخبط في دماغي زي الرصاص، مش قادرة أصدق إن ده اللي كنت بنام في حضنه وبقول ده سندي، قعدت على طرف الكنبة والدموع نشفت في عيني من هول الصدمة، كملت تقليب في الرسايل ولقيت صور لأختي وهي بتبعتله صور عفش ومطابخ، وهو بيرد عليها بـ: “خدي من كارت الست هانم، دي فاكرة إنها بتصرف على البيت، وهي بتصرف على جهازك من غير ما تحس”، كأن سكي..نة ودخلت في قلبي وبتلف جوايا، البرود اللي كان بيتعامل بيه معايا، والحجج الواهية عشان يخليني أركب المترو وأبهدل نفسي عشان هو مش فاضي، كل ده كان عشان يوفر وقت وفلوس يبعزقهم على أهله اللي بيتعاملوا معايا بوقاحة.
فجأة سمعت صوت المية في الحمام اتفصلت، قلبي وقع في رجلي، مكنش عندي وقت أفكر، قمت حطيت التليفون في مكانه بالظبط زي ما كان، وقعدت في مكاني والجمود مسيطر على ملامحي، خرج هو بيلف الفوطة على وسطه وشعره مبلول، بصلي ببرود وقال: “أنا نازل، مش عايزة حاجة؟”، بصيت في عينيه اللي كنت فاكراها أمان، شفت فيها خسة وشخص استغل طيبتي وأصلي، مسكت أعصابي بالعافية ورديت بصوت هادي عكس البركان اللي جوايا: “لا، روح طريقك سلامة”، خرج وقفل الباب وراه، ومن اللحظة دي، قمت وقفت قدام المرايا وشفت واحدة تانية خالص، مسحت دموعي وبدأت أخطط، خلاص مرحلة “المركب تمشي” انتهت، وأنا قررت إني اللي هغرق المركب دي باللي فيها، بس قبل ما أغرقها، لازم أضمن إني أخرج منها بأقل الخسائر، وأولهم العربية اللي بقت باسمي واللي هو فاكر إنه ضامنها.
طلعت تليفوني بسرعة، مكنش وقت عياط ولا وقت لوم، كنت محتاجة أتحرك قبل ما يرجع. دخلت على الإنستا باي وحولت كل اللي باقي في حسابي على حساب تاني باسمي، حساب قديم كنت فاتحاه من قبل الجواز ومحدش يعرف عنه حاجة، فضيت حسابي تماماً وبقى رصيده صفر، عشان لما يفكر يسحب تاني، يلاقي الحساب مقفول في وشه. بعدها دخلت على تطبيق البنك، لغيت كل الصلاحيات اللي كان واخدها أو اللي كان ممكن يوصل بيها، وغيرت كل الأرقام السرية لدرجة إني حطيت كود تالت خالص، مش عيد ميلاده ولا عيد ميلاد أمه، حاجة هو مستحيل يتوقعها.
بدأت أجمع كل الدلائل، صورت رسايل الواتساب بينه وبين أمه، صورت كشوفات الحساب اللي بتثبت تحويلاته لنفسه، وحفظت كل ده على كلاود خاص بيا، وبعت النسخ لنفسي على إيميلي. كنت حاسة إني بجهز حربي، حرب الكرامة اللي كان لازم أخوضها من يوم ما فكر إنه يطبطب عليا بإيد ويغزني بالخنجر بالتانية.
عدت ساعتين وأنا زي التمثال، بفكر في كل لحظة ضعف مررتها لنفسي عشان البيوت أسرار، اكتشفت إن السكوت هو اللي بيخلي الوحوش تطمع، وإني كنت بشتري راحة بالي بكرامتي وفلوسي، وهو كان بيبيعني لأهله بأبخس الأثمان. سمعت صوت مفتاح الباب في الكالون، قام قلبي يضرب تاني، بس المرة دي مش خوف، ده كان أدرينالين الانتقام. دخل هو، باين عليه إنه كان في مشوار طويل، رمى مفاتيحه على الترابيزة وقال بصوت عالي: “أنا جعان، عملتي إيه غدا؟”.
بصيت له، ولأول مرة من 6 شهور، مقدرتش أبتسم، ولا حتى أتصنع الطيبة. وقفت قدامه ببرود تام، حطيت تليفوني قدامه على الترابيزة، وسألته بصوت هادي ومسموع: “قبل ما نتكلم في الغدا.. تحب تشرح لي إيه معنى إن أمك تكتبلك إنها عايزة تخلص جهاز أختك بفلوسي؟ وإيه معنى إنك فاتح خزنة جوه بيتي لأهلك وأنا اللي بدفع تمنها؟”.
اتسمر في مكانه، الدم هرب من وشه، وحاول يمثل الصدمة ويقول: “أنتي.. أنتي دخلتي على تليفوني؟”، رديت عليه بسرعة: “أنا دخلت على حياتي اللي كنت فاكراها بيتي، لقيت فيها غربان، ودلوقتي قولي.. هنحل الموضوع ده إزاي؟ ولا تحب نخليه يوصل للأهل زي ما كنتوا بتخططوا؟”. حاول يداري ارتباكه بضحكة صفرا، وقرب مني بخطوة وهو بيحاول يمسك إيدي، بس أنا اتراجعت لورا كأني لمست حاجة قذرة. زعق فيا: “انتي اتجننتي؟ بتفتحي تليفوني وبتتجسسي عليا؟ دي خيانة للأمانة يا إنجي، وكمان شايفة نفسك عليا عشان كام قرش بتدفعيهم؟”.
بصيت له بقرف، الوجع اللي كان جوايا اتحول لبرود تلج. قلتله بصوت ثابت: “خيانة؟ أنت اللي بتتكلم عن الخيانة؟ أنت اللي كنت بتسحب من ورا ضهري وتديني قفاك وتضحك عليا أنا وأهلي، وتخلي أهلك ينهشوا في لحمي بلسانهم وأنت قاعد بتسمع وبتشجع! الخيانة مش تليفون مفتوح، الخيانة إنك تكون راجل في البيت، وفي الحقيقة أنت مجرد موظف عند أهلك، شغال بفلوسي وبمجهودي”.
وشه احتقن، ورفع صوته أكتر: “أيوة أهلي أولى! أختي دي لحمي ودمي، وأنتِ معاكي، يعني مش هيجرى حاجة لما تساعديني، ده بدل ما تقولي لي يا حبيبي ربنا يخليك لي!”. ضحكت بسخرية، ضحكة خلت عروق رقبته تنط من الغضب: “يخليلي إيه؟ ده أنت طلعت مش بس حرامي، ده أنت كمان مغفل لو فاكر إني هسكت. من اللحظة دي، مفيش ولا مليم هيطلع من جيبي لبيتكم، والعربية دي.. اللي أنت فاكر إنك بتتمخطر فيها على حسابي، بكره الصبح هتكون في مأمن، ومش هتركبها تاني غير لما أشوف أوراقها بتتحول ملكية ليا لوحدي، أو هبيعها وأخلص من وجع الدماغ ده”.
جري ناحية التليفون اللي كان على الترابيزة عشان يمسحه أو يخبيه، بس أنا كنت أسرع منه، سحبته وحطيته في شنطتي وأنا ببتسم ابتسامة باهتة: “لا يا حمزة، التليفون ده بقى دليل إدانة في إيدي، لو فكرت ترفع إيدك أو حتى تعلي صوتك عليا، الرسايل دي هتوصل لأبوك وأمك، وهيوصلوا لكل الناس اللي بيشوفوك الراجل اللي شايل البيت، خليهم يشوفوا الحقيقة.. يشوفوا ابنهم اللي بيسرق مراته عشان يرضي أمه”.
وقف مذهول، مكنش متخيل إن المغفلة اللي كان بيضحك عليها ممكن تطلع مخالبها في لحظة. بصيت له وقولت له ببرود: “دلوقتي.. ادخل غير هدومك، واقعد افهم إنك خلصت ال 20 ألف دول من مرتبك اللي جاي، ولو فكرت تمد إيدك على أي حساب ليا تاني، هيكون لي تصرف تاني خالص.. تصرف مش هيعجبك ولا هيعجب أهلك”. سابني وخرج من الأوضة وهو بيبرطم، كان باين عليه إنه مكسور ومن غير هيبة، لأول مرة من 6 شهور، حسيت إني بدأت أسترد روحي، وكنت عارفة إن اللي جاي أصعب، بس أنا كنت مستعدة.. المرة دي أنا اللي ماسكة زمام الأمور، ومش هسمح لحد يستهون بيا تاني.
دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح، محتاجة لحظة واحدة أتنفس فيها بعيد عن وشه الذي بقيت بشوف فيه خيانة في كل تفصيلة. سمعته بره بيحاول يكلم أمه، صوته واطي ومخفوض، بيقولها: “إنجي عرفت كل حاجة، التليفون وقع في إيديها.. أيوه عرفت موضوع الفلوس، مش عارف أعمل إيه، البت اتغيرت ١٨٠ درجة وشكلها ناوية على نية مش تمام”. سمعته بيسكت فجأة، أكيد أمه بتشخط فيه أو بتلومه على غبائه. ضحكت بمرارة، كنت فاكرة إني لما أواجهه هيدور على حل يرضيني أو يحاول يبرر، بس هو أول حاجة عملها إنه يشتكي لأمه. ده أكد لي إن الراجل اللي كنت فكراه سند، ملوش شخصية أصلاً.
قعدت على السرير وفتحت اللاب توب بتاعي، بدأت أجهز خطة الخروج. أنا مش هكمل في جوازة قايمة على الكدب والاستغلال، بس مش هخرج منها وأنا خسرانة. طلعت ورق العربية، وبدأت أتصل بمحامي أعرفه، طلبت منه استشارة قانونية عن قرض السيارة وضمان المرتب، وعرفت إن طالما القسط بضمان مرتبي أنا، فالعربية قانونياً في حمايتي طالما أنا ملتزمة بالسداد، وبكرة الصبح هروح البنك أعمل إجراءات تغيير الحسابات نهائياً، وهلغي أي توكيل لو كنت عملتهله في غفلة مني.
عدت ليلة طويلة، كنت سامعاه بيتقلب بره في الصالة، بيحاول ينام على الكنبة. الفجر أذن، قمت اتوضيت وصليت، ودعيت ربنا يوريني الطريق الصح. طلعت بره، كان قاعد متبهدل، عينه وارمة من قلة النوم، أول ما شافني قام وقف بلهفة: “إنجي، أرجوكِ، خلينا نتكلم بهدوء، أنا كنت مضغوط وأمي كانت ضاغطة عليا.. أنا بحبك ومش عايز أخسر بيتنا”. بصيت له بكل ثبات، مفيش في قلبي غير الشفقة عليه، قلتله بصوت هادي وقاطع: “البيوت يا حمزة مش بتتبني بالكدب، والرجولة مش إنك تاخد فلوس مراتك وتديها لأهلك وتخبي عليها. أنت مش بس خسرت فلوسي، أنت خسرت ثقتي.. ودي حاجة مفيش بيان في الدنيا يقدر يرجعها”.
قرب مني تاني، بس المرة دي زقيته بكل قوتي، قلتله بصوت عالي: “النهارده إجازة من الشغل، والنهارده مش هنخرج، ولا أنا هروح عند أهلك. النهارده اليوم ده هيتحدد فيه مصيرنا.. يا إما تعترف بذنك، وتكتب ورقة بحق الفلوس دي، وتعتذر لأهلي عن كل اللي حصل، وتغير أسلوبك معايا ١٨٠ درجة، يا إما.. يا إما كل واحد يروح لحاله، وأنا مش هتردد لحظة في إني أخد حقي بالقانون”. بصلي بصدمة، مكنش مصدق إن إنجي الطيبة الهادية بقت بالقوة دي. دخلت المطبخ عملت لنفسي قهوة، وسيبته واقف في الصالة زي التايه، عارف إن المرة دي، اللعبة انتهت، وإنه واقف قدام واحدة قررت إنها مش هتكون مغفلة تاني أبداً.
بص لي والشرر بيطلع من عينيه، وبدأ يغير نبرته، من نبرة الزوج المكسور لنبرة الراجل اللي بيحاول يفرض سيطرته: “انتي فاكرة نفسك مين عشان تهدديني؟ دي جوازة يا إنجي، مش صفقة بيزنس! وأنا جوزك، يعني ليا حق في مالك وفي حياتك، ولو فكرتي تطلبي الطلاق أو حتى تفتحي بقك، قسماً بالله ما هتطولي مني لا حق ولا باطل، وهخلي سيرتك على كل لسان!”.
ضحكت بصوت عالي، ضحكة خلت الغضب ينهش في ملامحه أكتر. قعدت على الكرسي قدامه، وطلعت نسخة كنت طابعاها من كشف الحساب والرسائل، رميتها قدامه على الطاولة وقلتله ببرود: “سيرتي؟ خايف على سيرتك؟ طيب ما كنت خفت عليها وأنت بتسرقني وبتخلي أهلك ينهشوا في عرضي! اسمع يا حمزة، التهديد ده ما بيأكلش معايا، أنا من النهارده لا هخاف من كلام الناس ولا ههمني البيت اللي اتبنى على ريحة الخيانة ده. أنت دلوقتي قدامك اختيارين ملهومش تالت، يا إما تعترف بكل ده قدام أهلي وأهلك وتديني ورقة موثقة بحق الفلوس اللي اتسرقت، يا إما الورق ده يوصل لمركز الشرطة فوراً بتهمة الاستيلاء على مال الغير”.
الهدوء اللي كنت بتكلم بيه كان مرعبه أكتر من العياط. بدأ يبلع ريقه بصعوبة، ونبرة صوته انكسرت تاني: “شرطة؟ إنتي عايزة تحبسي جوزك؟ يا إنجي اهدي، إحنا ممكن نتفاهم…”. قاطعته بحزم: “مفيش تفاهم بعد دلوقتي. أنت كسرت الحاجز اللي كان بيخليني أشوفك راجل. من اللحظة دي، مفيش لا أنا وجوزي ولا بيتنا. أنا هروح أقعد عند أهلي يومين، وفي اليومين دول يا إما تكون جهزت الفلوس اللي أخدتها بالكامل، يا إما هتمشي في إجراءات الانفصال وأنا ساكتة، بس تأكد إني مش هتنازل عن حقي في القرش اللي طلع من جيبي”.
قمت وقفت، دخلت أوضة النوم، لميت أهم حاجاتي في شنطة صغيرة، مخدتش غير اللي يخصني، مخدتش أي حاجة من اللي هو جابها لأنها أصلاً بفلوسي. طلعت لقيته واقف في الصالة، باصص لي بكسرة، حاولت أشوف في عينه ولو ذرة ندم، بس مكنش فيه غير خوف من الفضيحة. فتحت باب الشقة، وبصيت له لآخر مرة قبل ما أمشي: “أنا مش ماشية عشان أروح عند أهلي أشتكي، أنا ماشية عشان أراجع حساباتي وأقرر إذا كنت أستاهل أكمل مع واحد زيك، ولا أستاهل حياة تانية خالص بعيد عن الاستغلال”.
قفلت الباب ورايا، ونزلت السلم وأنا حاسة بتقل كأن جبل وانزاح من على قلبي. لأول مرة من 6 شهور، تنفست هوا نضيف، مش هواء خنقة النفاق. ركبت العربية، وبصيت للمراية، شفت إنجي اللي كنت ناسية هي مين، إنجي القوية اللي مش هتسمح لأي راجل مهما كان إنه يقلل منها أو يسرق تعبها. وبدأت رحلتي الجديدة، رحلة الهروب من المغفلة اللي كنتها، وبداية حياة جديدة، هتبدأ بيا أنا، ولأجلي أنا وبس.
وصلت بيت أهلي، قلبي كان بيدق بعنف، مش من الخوف، لكن من الرهبة اللي بتيجي مع خطوة اللا عودة. أول ما شفت وش أمي، كل اللي كتمته جوايا انهار. قعدت على الأرض في صالة بيتهم، وسيبت الدموع تنزل لأول مرة. أمي حضنتني، ومن غير ما أسألها عرفت إن عيني كانت بتحكي كل القصة، مكنتش محتاجة أحكي. بعد ما هديت، حكيت لهم كل حاجة. من أول المصاريف اللي كنت شايلة همها، لحد اكتشافي للرسايل وصور العفش، وال 20 ألف اللي اتسحبوا. أبويا، اللي طول عمره كان بيعلمني إن الراجل اللي بجد هو اللي يشيل البيت، كان صامت، عيونه كانت بتلمع بغضب مكتوم، مش مني، لكن على التربية اللي طلعت الشخص ده بالخسة دي.
يومين مروا زي السنين. حمزة كان بيبعت رسايل تهديد، ورسايل استعطاف، ومرة يهدد بمراته الجديدة اللي هيخطبها، ومرة يترجاني أرجع عشان مبيعرفش يعيش من غيري. كنت بقرأ الرسايل دي وأمسحها، مكنتش بتأثر فيا، لأن الصورة اللي كانت في خيالي عنه اتمسحت، ومبقاش باقي غير حقيقة المستغل. في اليوم التالت، لقيت تليفوني بيرن، كان هو. صوت أمه كان في الخلفية، بتزعق كالعادة. مردتش، بعتت له رسالة واحدة بس: “لو عايز تنهي الموضوع ده من غير فضايح وقضايا، الفلوس اللي اتسحبت كلها تكون في حسابي خلال ٢٤ ساعة، وتتنازل عن أي حقوق أو ممتلكات مشتركة باسمي، وتطلقني بالمعروف.. غير كدا، المحامي بتاعي هيتصل بيك”.
نمت ليلتها لأول مرة من شهور نوم عميق، من غير كوابيس العربية، ولا كوابيس السلف. صحيت الصبح على إشعار من البنك، إيداع مبلغ بقيمة اللي خده مني. مكنتش فرحانة بالفلوس، كنت فرحانة إني استرديت جزء من كرامتي. بعدها بساعة، اتصل بيّ قالي: “أنا موافق.. مش عايز أشوف وشك تاني، خدي حريتك”. وقفت قدام المرايا، شفت إنجي تاني.. المرة دي بملامح مختلفة، ملامح واحدة اتعلمت إن الحب من غير تقدير هو مجرد فخ. طلقت، وخرجت من الجوازة دي بدروس أغلى من دهب. بدأت أركز في شغلي، وفي حياتي، وفي كتاباتي اللي كانت أكتر حاجة بتهون عليا.
بقيت بكتب حكاياتي، بحكي قصص الستات اللي زيي، اللي عاشوا مغفلات وصحوا على كابوس. بقيت أقول لكل واحدة بتقرأ لي: “يا حبيبتي، مفيش حب يخليكي تدفعي تمن كرامتك، ومفيش راجل يطمن ليكي لو كنتِ شايلة عنه الحمل وهو بيحفر وراكي”. النهارده، وأنا بكتب الفصل الأخير من الرواية اللي بكتبها، ابتسمت لنفسي. مش لإني نسيت اللي حصل، بس لأني عرفت إني كنت قوية لدرجة إني أخرج من الجحيم ده، وأبني لنفسي جنة جديدة، مفيش فيها مكان لأي حد يفتكر إنه يقدر يسرق تعبي أو يستغل طيبتي.
مرت شهور، الأيام بقت بتعدي وأنا بدأت أتصالح مع وجعي، اتحولت لست تانية، إنجي اللي كانت بتخاف تجرح كرامة جوزها بقت هي اللي بتدافع عن كرامتها بكل قوتها. قررت إني مش هقف مكاني، بدأت أطور في شغلي، ونجحت في ترقية كانت مستنياني سنين، والفلوس اللي استرديتها وظفتها في مشروع صغير كنت بحلم بيه طول عمري، مشروع يخص الحكايات اللي بحبها. بقيت بسمع حكايات بنات كتير بيبعتولي على الصفحة، وبقيت بكلمهم بصوتي اللي اتعلمت إنه مبيتهزش. في يوم، وأنا بقلب في صور قديمة، لقيت صورة العربية اللي كانت سبب المصيبة، ضحكت، مش من الندم، بس من الذكرى اللي خلتني أشوف الدنيا على حقيقتها. بعت العربية دي، واشتريت حاجة بسيطة تخصني أنا وبس، حاجة مش مشتركة مع حد، ولا حد ليه حق يطلبها مني.
حمزة؟ سمعت إنه اتجوز، بس مش البنت اللي كان بيخطط لها، سمعت إن حياته بقت سلسلة من المشاكل، وأمه لسه بتتدخل في كل تفصيلة، والفلوس بقت أزمة يومية في بيته الجديد. كنت بسمع الأخبار دي وأنا ببتسم، مش من الحقد، بس من الراحة، لأني عرفت إن اللي بيبيع كرامة شريك حياته، مبيلاقيش في الآخر غير الهوان. بقيت بكتب روايتي الجديدة، وبطلتها كانت قوية، نسخة مني بس من غير غلطات. بقيت بكتب عن الست اللي بتعرف قيمتها كويس، اللي مبتسمحش لحد إنه يستغل تعبها أو يقلل من شأنها. بقيت بشوف نفسي في عيون البنات اللي بيقرأوا لي، لما بيكتبولي: “يا إنجي، قصتك هي اللي شجعتني أخد قراري”، بحس إن الوجع اللي عشته كان ضريبة عشان أكون صوت لغيري.
النهارده، وأنا قاعدة بكتب في مكتبي، شربت قهوتي بتمهل، بصيت للشباك وشفت الدنيا برة بتتحرك، وأنا في مكاني ببدأ فصل جديد تماماً. مفيش قيود، مفيش “أصل البيت”، مفيش خوف من بكرة. أنا إنجي الخطيب، اللي اتعلمت إن السكوت على السرقة هو اللي بيخلي الحرامي يكمل، وإني مهما كنت شاطرة في شغلي، لازم أكون أشطر في حماية حياتي وقلبي. قفلتي للرواية كانت بسيطة ومباشرة: “مش كل اللي بيحبك بيقدرك، ومش كل اللي بيسكت بيغفل.. أحياناً السكوت بيبقى وقت استراحة، عشان لما نقوم، مفيش قوة في الأرض تقدر توقفنا”.
دلوقتي، وبعد ما عدت السنة دي كأنها عمر بحاله، قعدت مع نفسي وقفة صراحة. لقيت إن التجربة دي رغم مرارتها، كانت المسطرة اللي قست بيها الناس اللي حواليا. اكتشفت إن الناس اللي كانوا بيطبلوا لي وأنا في قمة نجاحي المهني، هما نفسهم اللي استغربوا لما شافوني بتمرد على جوزي، زي ما كانوا بيسموها. بقيت دلوقتي بختار دايرتي بدقة، مفيش مكان لأي حد بيمتص طاقتي أو بيحسسني إن نجاحي عبء عليه. شغلي في الكوميونتيز اللي بديرها بقى ليه طعم تاني، بقيت بكتب بصدق أكبر، وبوصل رسائل للبنات اللي بيحكولي عن مشاكلهم، بقيت بقولهم: “الراجل اللي بيحاول يكسر جناحك عشان يفضل هو اللي بيطير، مبيستاهلش دقيقة من عمرك”.
حمزة.. مابقاش حتى ذكرى بتوجع. بقيت بسمع أخبار عنه صدفة، عرفت إنه خسر وظيفته، وأهله اللي كان بيعمل المستحيل عشان يرضيهم، بقوا هما أول ناس بيضغطوا عليه. الدنيا دوارة، وكل واحد بيحصد اللي زرعه، وأنا زرعت صبر وتحمل، بس لما لقيت الأرض صبخة، عرفت أقتلع الجذور قبل ما تخلص على باقي عمري.
اليوم، وأنا بجهز بوست جديد لصفحتي، كتبت فيه: “أنا مش ضحية، أنا بطلة قصتي اللي قررت تغير النهاية قبل ما الكاتب يقرر ينهيها لي”. لقيت تفاعل غير مسبوق، لقيت بنات كتير بيبعتوا لي: “إنجي، إنتِ أنقذتِ حياتي بكلمتك”، هنا حسيت إن كل دمعة نزلت، وكل ليلة نمتها مقهورة، كانت تمن بسيط عشان أوصل للسلام النفسي اللي أنا فيه دلوقتي. خلصت كتابتي، قفلت اللاب توب، وقمت وقفت في البلكونة أخدت نَفَس عميق. الهوا في الجيزة النهاردة جميل، وبحس إني حرة، مش مقيدة بقسط عربية ولا بنظرات أهل، ولا بخوف من بكرة. بكرة ده ملكي أنا، وأنا اللي هكتب تفاصيله، بالقلم اللي مرة اتكسر، بس رجعت أسنانه عشان يكتب تاريخ جديد.. تاريخ إنجي الخطيب اللي مابقتش بتسمح لأي حاجة توقفها.
قفلت الصفحة دي تماماً، وفتحت صفحة بيضاء، ونويت إنها ما تتكتبش غير بالصدق، والقوة، والكرامة. مش بس قفلت الصفحة، أنا حرقت الكتاب القديم كله. النهاردة، وبمناسبة مرور سنة على التحول، قررت أعمل حاجة كنت مؤجلاها بقالي كتير. طلعت كل متعلقاته اللي كانت لسه مركونة في كرتونة في ركن الأوضة، الحاجات اللي كنت فاكرة إني مش هقدر ألمسها من غير ما أعيط.
فتحت الكرتونة، وبكل هدوء بدأت أفرزها. ساعة كان جايبها في عيد ميلادي، قلم كان بيستخدمه في توقيع عقوده، وحتى التيشيرت اللي كان لابسه أول يوم نزلنا فيه مع بعض. مسكتهم حاجة حاجة، ولقيت إنهم مجرد جماد، لا ليهم روح ولا ليهم ذكريات تستحق إنها توقف حياتي. لميت كل ده، ونزلت بيهم في كرتونة كبيرة، وطلعت بيهم على أقرب جمعية خيرية.
وأنا راجعة، حسيت بخفة مش طبيعية، كأن الكرتونة دي كانت شايلة تقُل السنين اللي فاتت. دخلت بيتي، بيتي اللي بقى بيتي أنا، بلمساتي أنا، مفيش فيه ريحة استغلال ولا نظرات استكثار. قعدت على مكتبي، وفتحت صفحة جديدة على اللاب توب، كان عندي فكرة لرواية تانية، رواية مش عن الوجع، رواية عن الخروج من النفق. جالي إشعار على الفيسبوك، كان ريكويست من واحدة من المتابعات، كاتبة لي: “يا إنجي، بفضلك أخدت قراري، أنا بعت ذهبي اللي كان جوزي بيضغط عليا أبيعه عشان يشتري عربية لنفسه، وفتحت مشروع صغير، أنا حرة دلوقتي”.
دمعة فرح نزلت من عيني، دموع مختلفة تماماً عن دموع القهر اللي نزلت السنة اللي فاتت. مسكت التليفون، وكتبت بوست أخير بمناسبة السنة دي: “سنة مرت، اتعلمت فيها إن اللي بيحبك بيحترم تعبك، مش بيستغله. اتعلمت إن العربية بتتعوض، والفلوس بتيجي وتروح، بس العمر اللي بيضيع مع الشخص الغلط ملوش تعويض. أنا كنت عروسة بتدور على الأمان، ولقيت إن الأمان الحقيقي هو نفسي لما تكون عزيزة ومحفوظة”.
بصيت لنفسي في المراية، ملامحي اللي كانت باهتة من الهم رجع لها نورها، ابتسامتي بقت حقيقية، مش مرسومة عشان أرضي حد. أنا إنجي الخطيب، كاتبة، ومديرة مجتمعات، ومحاربة عرفت طريقها.. وأنا دلوقتي، مش بس بكمل، أنا ببدأ قصة جديدة، بطلتها ست عرفت قيمتها، وقررت إنها تكون هي الأولوية في حياتها، دائماً وأبداً.
تمت.
