ظهرت في زفافي بعد 3 سنوات من هروبها بمدخراتي… لكنها لم تأتِ لتعتذر
استدانت مني أعز صديقة عندي مبلغ 480 ألف ريال، ثم اختفت وكأنني أنا التي سرقتها… وبعد ثلاث سنوات نزلت من سيارة فاخرة أمام قاعة زفافي، تحمل ظرفًا جعل قدميّ لا تعودان قادرتين على حمل الفستان.
كنت على وشك الدخول إلى قاعة النساء في أحد فنادق شمال الرياض عندما سمعت الصراخ بالخارج. أمي أسقطت باقة الورد من يدها. وخطيبي “فيصل” شحب وجهه فور أن رآها.
نزلت “دانة” من السيارة وكأن شيئًا لم يحدث. كعب أحمر، نظارة سوداء، فستان أسود أنيق، حقيبة من ماركة معروفة، وثقة مزّقت قلبي أكثر من الدين نفسه. كانت هي. نفس الفتاة التي جاءت قبل سنوات إلى شقتي الصغيرة في حي الياسمين، تبكي ووجهها متورم ويداها ترتجفان:
— مها… تكفين، أمي ممكن تموت إذا ما دفعت اليوم.
لم أتردد. حوّلت لها 480 ألف ريال. كل ما جمعته خلال ثماني سنوات من بيع الحلويات المنزلية، وإدارة الطلبات، والعمل بمناوبات طويلة في عيادة أسنان خاصة.
في اليوم التالي أغلقت هاتفها. بعد أسبوع اختفت من الشقة التي كانت تستأجرها. وبعد شهر، قيل إن والدتها سافرت لتعيش عند إحدى قريباتها في جدة. ولثلاث سنوات كاملة… كنت أنا الغبية. التي أقرضت دون ورقة، التي بكت أمام تطبيق البنك، التي باعت سيارتها الصغيرة، والتي عادت لتعيش في بيت أهلها وهي تسمع الجميع يقول: “لعبت عليك يا مها”.
لكن ذلك اليوم… كان يوم زفافي. قررت ألا أفكر فيها أبدًا. كانت القاعة تفوح برائحة الورد الأبيض، وفرقة العود تستعد، والطاولات مزينة بالشموع الذهبية والأقمشة البيضاء، وقريباتي يلتقطن الصور بجانب طاولة الحلى، وأبي يكرر بصمت كيف سيسلمني عند المدخل دون أن يبكي. كل شيء كان مثاليًا… حتى ظهرت دانة.
السيارة السوداء اللامعة توقفت أمام الفندق كأنها صفعة. فتح لها السائق الباب، وبدأ بعض الضيوف يصورون بهواتفهم. همست ابنة خالتي: “السيارة هذي أغلى من بيتنا كله”.
سارت دانة نحوي مباشرة. شعرت أن فستاني أصبح أثقل من الجبال.
— لا تدخلونها — قالت أمي وهي تقف أمامي — هذي ما عندها ذرة حياء.
حتى دانة لم ترمش:
— ما جيت أخرب الفرح يا أم مها.
— خربتيه يوم نزلتي من السيارة — ردت أمي بحدة — بسيارة مين؟ بفلوس بنتي؟
ساد الصمت، حتى الموسيقى توقفت. ظهر فيصل خلفي وأمسك خصري بقوة زادت خوفي:
— مها، ادخلي القاعة — قال بصوت منخفض — لا تسوين مشكلة.
شيء في نبرته أزعجني. لم يكن خائفًا عليّ، كان خائفًا منها.
نزعت دانة النظارة ونظرت إليّ. كانت عيناها متعبتين، ليستا عيني امرأة سعيدة، بل امرأة دفعت ثمنًا قاسيًا حتى تصل إلى هنا:
— مبروك يا مها.
طريقة نطقها لاسمي جرحتني أكثر من الدين:
— لا تناديني كذا.
— بس لازم أعطيك هذا.
أخرجت ظرفًا عاجيًا سميكًا، مغلقًا بشريط أسود. حاولت أمي أن تنتزعه منها، لكن دانة تمسكت به بقوة:
— لازم هي تفتحه بنفسها.
تقدم فيصل خطوة للأمام بسرعة:
— لا… مو هنا.
الجميع التفت إليه، وأنا أيضًا:
— ليه؟ — سألت.
ابتسم، لكن فكه كان يرتجف:
— لأنه يوم زواجنا… ولأن هذي البنت سرقتك… وما تستحق حتى دقيقة من وقتك.
ضحكت دانة ضحكة قصيرة وجافة:
— بسرعة تعلمت تقول عني “هذي البنت” يا فيصل.
شعرت ببرودة تسري في جسدي:
— تعرفون بعض؟
تأخر نصف ثانية قبل أن يرد. نصف ثانية كانت كافية لتكسر شيئًا داخلي:
— أكيد لا.
خفضت دانة نظرها نحو خاتمها، ثم إلى فستاني، ثم إلى القاعة الممتلئة بالناس الذين ينتظرون دخولي:
— افتحي الظرف إذًا — قالت بهدوء — إذا ما تعرفني، ما عندك شيء تخاف منه.
أمسكت أمي يدي:
— بنتي، لا تعطينها اللي تبيه.
لكنني لم أعد أسمع أحدًا. كنت أحدق فقط في الظرف. استلمته ويدي ترتجف. كان أثقل من الطبيعي، لم يكن مجرد خطاب، كان مليئًا بالأوراق والصور وشيء صلب يشبه ذاكرة إلكترونية صغيرة (فلاش ميموري). أمسك فيصل معصمي بسرعة:
— مها… أرجوك، لا تفتحينه.
تلك الـ”أرجوك” كسرتني أكثر من ظهور دانة نفسه، لأن خطيبي لم يكن غاضبًا، كان يتوسل.
بدأ الهمس ينتشر بين الضيوف. اقترب أبي. أنزل المصور الكاميرا. ومنظمة الحفل وقفت مرتبكة لا تعرف هل تغلق الأبواب أم تتظاهر أن كل شيء طبيعي. سحبت يدي منه ومزقت الظرف. أول شيء سقط لم يكن مالًا، كان صورة قديمة مطوية من المنتصف؛ فيها دانة، وبجانبها، مبتسمًا بالقميص الذي اشتريته له بنفسي في عيد ميلاده… كان فيصل!
توقف قلبي. رفعت رأسي ببطء. كانت الدموع في عيني دانة، أما فيصل فكان شاحبًا كأنه على وشك الانهيار:
— مها… مو مثل ما تتخيلين.
الجزء الثاني: كشف المستور داخل القاعة
ثم رأيت الورقة الثانية داخل الظرف. كان مكتوبًا فيها اسمي الكامل، وتوقيع مزور يشبه توقيعي تمامًا، وتاريخ يعود إلى يومين فقط بعد اختفاء دانة… كانت ورقة إقرار بدين. لكنها لم تكن تقول إن دانة مدينة لي، كانت تقول إنني أنا مدينة لفيصل بمبلغ 480 ألف ريال!
قرأت اسمي مرة، ثم مرة أخرى: “مها عبدالله السبيعي”. وتوقيعي في الأسفل، مائلًا، مقلدًا، كأن شخصًا نسخ حياتي بسوء نية.
شعرت أن الطرحة تضغط على رأسي:
— إيش هذا؟ — سألت.
خطف فيصل الورقة من يدي:
— تزوير. ما تشوفين؟ هذي جاية توسّخ فرحنا.
دانة لم تتحرك:
— أنا ما زورت هذا التوقيع.
أمي تمتمت بالاستغفار. أما أبي، فلم يعد يتدرب على كيف يسلمني عند المدخل دون أن يبكي، صار واقفًا أمامي مثلما كان يفعل وأنا صغيرة عندما يقترب مني كلب في الشارع.
قال أبي:
— فيصل أعطني الورقة. ما راح أسمح بهذه المهزلة.
مددت يدي:
— أعطني إياها.
نظر إليّ فيصل، ولثانيتين رأيت رجلًا غريبًا. ليس الرجل الذي كان يرسل لي الورد إلى العيادة، ولا الذي طلب يدي وسط عائلتي، ولا الذي دمعت عيناه يوم اخترنا الشبكة من محل الذهب. رأيت رجلًا محاصرًا. همس:
— مها، أرجوك مو هنا.
خفت. لكن لم يعد خوفي من أن أخسره، صار خوفي أنني كنت أنام مطمئنة بجانب شخص لا أعرفه.
أخرجت دانة الذاكرة الصغيرة من الظرف ورفعتها:
— كل شيء هنا.
تقدم فيصل نحوها، فدخل أخي الأصغر سلمان بينهما. لم يكن طويلًا جدًا، لكنه وقف ذلك اليوم كأنه جدار:
— لا تفكر تقرب.
كان الضيوف قد شكلوا دائرة حولنا; خالات، عمات، بنات خال، صديقات العيادة، قريبات من حي الياسمين بعضهم يحمل الهاتف، وبعضهم فاغر فمه. فرقة العود سكتت تمامًا، حتى العازف بدا كأنه يخجل من صمت القاعة. أمي التقطت باقة الورد من الأرض، كانت الورود البيضاء قد انكسرت أطرافها، وقالت لي بصوت منخفض:
— افتحيها يا بنتي.
دخلنا القاعة. لم أدخل كعروس، دخلت كمتهمة وقاضية في الوقت نفسه. سألتني منسقة الحفل إن كنت أريد الدخول إلى غرفة العروس، قلت لها: “لا. إذا كان فيصل قد خطط شيئًا أمام الناس، فسيسقط أمام الناس”.
وصلوا الذاكرة بالشاشة التي كان من المفترض أن تعرض صور طفولتنا قبل دقائق. ظهرت مجلدات، مجلد باسم “إلى مها”، كان فيه مقاطع صوتية، رسائل، كشوف حساب، وصور.
أول ملف كان تسجيلًا صوتيًا، امتلأت القاعة بصوت فيصل:
”دانة، إذا ما جبتي المبلغ اليوم، أرسل الصور. وقولي لمها أي شيء. قولي أمك مريضة، قولي عليك مطالبة، ما يهمني. هي تثق فيك. استخدميها.”
شعرت أن جسدي لم يعد ملكي. أغمضت دانة عينيها. صرخ فيصل:
— هذا مركّب!
لكن لا أحد نظر إليه بثقة.
كان التسجيل الثاني أسوأ:
”بعدها تختفين. وأنا أرتب موضوع مها. راح يبان كأنها هي طلبت المبلغ مني عشان تعطيك. توقيعها يكفي. أنا أعرف أقلده.”
وضعت يدي على صدري. تمتم أبي بكلمة غاضبة. وأمي، التي كانت تقول دائمًا إن الزفاف لا يليق به الصراخ ولا البكاء العالي، قالت بصوت مخنوق: “حسبي الله عليك” ولم تكمل.
لأن دانة فتحت ملفًا آخر; مقطع فيديو. ظهر فيصل في مقهى، جالسًا أمام دانة. كان التاريخ ظاهرًا في الزاوية قبل ثلاثة أيام من طلبها المال مني. كان يدفع إليها أوراقًا فوق الطاولة وكانت تبكي. ثم ظهرت صورة على الشاشة لدانة وعلى ذراعها آثار واضحة.
امتلأت القاعة بالهمس. هز فيصل رأسه بعنف:
— كان بيني وبينها شيء قديم، نعم. لكن هذا كله كذب. مها، أقسم لك.
— قديم؟ — سألت، وخرج صوتي غريبًا، فارغًا.
نظرت إليّ دانة:
— عرفته قبلك. ما كنت أدري أنه فيصل الذي تتكلمين عنه. لما شفته معك، حاولت أبتعد، لكنه هددني.
— هددك بإيش؟
ابتلعت ريقها بصعوبة:
— بصور. وبديون. وبأنه يقول لك إنني سرقتك. وبالنهاية نعم، أنا فعلت. لكن ليس لأنني أردت، لأنني خفت.
نظرت إليها. كانت أمامي أعز صديقة لي، الفتاة التي كنت آكل معها بعد المدرسة، التي كانت تنام في بيتنا وتقول لأمي يا خالتي، التي اختفت بمدخراتي. أردت أن أكرهها بسهولة، لم أستطع، لأن في عينيها ذنبًا وخوفًا قديمًا أيضًا.
— ليه ما قلتي لي؟ — سألت.
بكت دانة:
— لأنني لما حاولت أرجع، كان هو صار معك. وشفتك تحبينه. خفت لو تكلمت ما تصدقينني. بعدها استحيت. بعدها خفت. وبعدها صار الوقت متأخرًا.
ضحك فيصل ضحكة كاذبة:
— مناسب جدًا. ثلاث سنوات عايشة كأنك أميرة، والآن جاية تمثلين دور الضحية.
التفتت إليه دانة:
— السيارة ليست سيارتي.
انفتح باب القاعة. دخل رجلان وامرأة بملابس رسمية، وخلفهم جاء رجل أكبر سنًا، عرفته فورًا رغم أنني لم أره من قبل عن قرب; الأستاذ عبدالرحمن، صاحب عيادة الأسنان الخاصة التي كنت أعمل فيها. قال بهدوء:
— السيارة سيارتي. ودانة جاءت معي لأن اليوم تُغلق تحقيقات طويلة.
شحُب فيصل فعلًا، ليس مثل قبل، هذه المرة ذهب كبرياؤه معه. تقدم الأستاذ عبدالرحمن نحوي بخطوات بطيئة، كان رجلًا جادًا، من النوع الذي تشعر أنه لا يقول كلمة إلا وهو يزنها:
— مها، أعتذر أن يحدث هذا في يوم مثل هذا. لكن لو لم نأتِ، كنتِ ستتزوجين الرجل الذي استخدم توقيعك لمحاولة تمرير تحويلات غير نظامية من العيادة.
بدأ الناس يتكلمون في وقت واحد. أنا لم أتكلم، لم يعد عندي صوت. قدمت المرأة نفسها على أنها محامية، وطلبت الإذن لتكمل. أبي قال نعم قبلي، وعيناه مثبتتان على فيصل.
قالت المحامية:
— قبل ثلاث سنوات كان فيصل يعمل كمورد خارجي لأنظمة العيادة. استخدم مستندات مزورة وتواقيع مقلدة لتبرير حركات مالية غير سليمة. أحد هذه المستندات كان باسمك يا مها. والتحويل الذي أرسلتهِ إلى دانة استُخدم كغطاء لنقص مالي أولي.
— مالي؟ — همست.
قالت دانة:
— دخل حسابًا كان فيصل يتحكم فيه.
شعرت أن القاعة كلها انهارت فوق رأسي. كانت كيكة الزفاف في الخلف ما تزال كما هي، بثلاث طبقات وزهور طبيعية وقطعة صغيرة لعروسين. الطاولات ما زالت تحمل الشموع الذهبية، وأظرف النقوط تنتظر فارغة. وفي زاوية قريبة، كانت الشبكة تلمع داخل علبة مخملية. كل ذلك جعلني أشعر بالغثيان.
الجزء الثالث: المواجهة والعدالة والبداية الجديدة
قلت له:
— خطبتني بمالي المسروق.
شد فيصل فكه:
— أنا أحبك.
كانت الجملة أسوأ من صفعة:
— لا تقولها.
— مها، أخطأت، لكن اللي بيننا حقيقي.
ضحكت دانة ضحكة مكسورة:
— قلت لي نفس الكلام.
التفتت أمي نحوها:
— وأنتِ لستِ بريئة.
خفضت دانة رأسها:
— لا. لست بريئة.
هذا فاجأني أكثر من دموعها. لم تدافع عن نفسها، لم تزين قصتها، وقفت فقط أمام الجميع، تقبل الضربة، وقالت:
— ثلاث سنوات وأنا أعمل حتى أرد ما أقدر عليه. ما اختفيت لأنني أصبحت غنية، اختفيت لأنه كان ماسكًا عليّ أشياء. بعدين لقيت من يساعدني. الأستاذ عبدالرحمن صدقني لما أعطيته أول تسجيل. وهذه السيارة أوصلتني اليوم لأننا كنا سنسلّم كل شيء لمها قبل ما توقع عقد الزواج.
فتحت المحامية ملفًا آخر:
— يوجد أيضًا شيك مصدق بقيمة 480 ألف ريال، إضافة إلى مقترح تعويض آخر. لا يمحو ما حدث، لكن دانة أصرت أن تحضره بنفسها.
سلمتني ظرفًا آخر، هذا كان ثقيلًا كأنه مال فعلًا. بدأت أمي تبكي:
— يلا يا بنتي نمشي.
نظر فيصل إلى الظرف، وتغير وجهه. لم يعد عريسًا مجروحًا، صار رجلًا يحسب:
— مها، انتبهي. إذا قبلتِ هذا، فأنتِ تعترفين أنها سرقتك. وأنا أقدر أرفع عليك قضية تشهير إذا استمريتِ بهذا الاستعراض.
تقدم أبي خطوة. لم أرَ أبي بهذا الوجه من قبل، هو الذي كان يقول دائمًا إن المشاكل تُحل بالهدوء، بدا ذلك اليوم كأنه قادر على كسر طاولة كاملة:
— بنتي لا تهددها.
ابتسم فيصل:
— مع احترامي يا عم، أنت ما تفهم في القانون.
رفعت المحامية يدها:
— أنا أفهم.
وأخرجت نسخة من بلاغ رسمي.
تراجع فيصل نصف خطوة، قال وهو ينظر حوله:
— هذا زواج. معقول بتحولونه لمحكمة؟
نظرت إليه وأنا ما زلت أرتدي الفستان. الفستان الذي دفعت ثمنه من تعب سنوات، من طلبات الحلويات، من مناوبات العيادة، من كل ريال جمعته وأنا أقول لنفسي إن يومي الجميل يستحق. ذلك الفستان لم يعد فستان عروس، صار درعًا. قلت له:
— أنت حوّلت حياتي إلى ملف.
اقترب فيصل مني وخفض صوته:
— فكري في اللي تسوينه. الناس برا تصور. ما راح تلقين رجل يتحملك بعد الفضيحة هذه.
هناك فهمت. ليس لأنه اعترف، بل لأنني عرفت القفص. تلك الجملة كانت نفس القفص الذي ورثته نساء كثيرات في عائلتنا: “اصبري.. اسكتي.. لا تكبرين الموضوع.. أفضل لك تكونين متزوجة من أن يقولوا عنك شيئًا”.
خلعت الخاتم، تعبت قليلًا لأن أصابعي كانت ترتجف، ووضعته في كفه:
— أفضل أن يتكلم الناس عن إلغاء زفافي على أن أتزوج رجلًا سرقني.
انكسر الصمت ببكاء. ليس بكائي، بل بكاء والدته. أم فيصل، التي كانت جالسة حتى تلك اللحظة كتمثال، وقفت فجأة:
— فيصل قل لي إن هذا غير صحيح.
لم ينظر إليها:
— أمي، لا تدخلين.
— قل لي إنك ما زورت توقيع البنت.
— قلت لك لا تدخلين!
كانت إجابته اعترافًا كافيًا. وضعت أمه يديها على فمها.
أما فرقة العود، التي لم تعرف كيف تحفظ كرامة الموسيقى وسط هذه الفاجعة، بدأت تجمع آلاتها بهدوء. وفي تلك اللحظة فعلت دانة شيئًا لم أتوقعه; ركعت أمامي في وسط القاعة، بفستانها الأسود، وكعبها الأحمر، وكل عار العالم فوق كتفيها:
— مها، ما جيت أطلب منك تسامحيني اليوم، ما أستحق. أنا سرقتك، حتى لو كنت مجبرة. تركتك وحدك تحملين إهانة كانت لي. تركت الناس يقولون عنك غبية. تركتك تبيعين سيارتك. تركتك ترجعين لبيت أهلك. إذا تبغين تكرهيني طول عمرك، حقك. لكن ما قدرت أخليك تتزوجينه.
نظرت إليها من فوق، حاولت أن أجد سببًا لأحتضنها، لم أجد إلا جروحًا. قلت:
— قومي.
قامت.
— أنا لا أسامحك.
أغمضت عينيها:
— أعرف.
— لكن شكرًا لأنك وصلتِ قبل التوقيع.
فتحت عينيها، وكان هذا هو هدية الزواج الوحيدة التي قبلتها ذلك اليوم.
وصلت الشرطة بعد ربع ساعة. لا أعرف من اتصل; ربما المحامية، ربما الأستاذ عبدالرحمن، ربما إحدى خالاتي التي كانت تقول دائمًا إنها لا تتدخل في مشاكل الناس، لكنها أسرع من الجميع عند الحاجة.
حاول فيصل الخروج من جهة المطبخ، أوقفوه قرب طاولة الحلى. سقط صحن صغير من المعمول على الأرض. همست ابنة خالتي: “حتى المعمول ما لحقنا نذوقه”. كدت أضحك، كدت فقط. عندما أخذوه، كان فيصل ما يزال يصرخ باسمي: “مها! راح تندمين! ما أحد راح يحبك مثلي!”. وقفت أمي أمامي: “هذا اللي نتمناه ألا يحبك أحد بهذه الطريقة مرة ثانية”.
بدأ الضيوف يغادرون ببطء، يحملون علب الضيافة ووجوههم كأنهم خارجون من عزاء. بعضهن لم يعرفن ماذا يقلن. إحدى الجارات وضعت في يدي ورقة نقدية: “خذيها يا بنتي، يمكن تحتاجينها بالطريق”. ذلك التصرف كسرني أكثر من كل شيء، لأنه كان بسيطًا جدًا، وقريبًا جدًا من واقعنا; لا أحد يعرف كيف يصلح الخراب، لكن أحدهم يعطيك ما يكفي حتى لا تخرجي بيدين فارغتين.
قال أبي ألا يرموا الطعام: “مدفوع حقه ولن ينام أحد جائعًا بسبب هذا الرجل”. فأكلنا، ليس كزفاف، بل كعزاء لكذبة كبيرة. كان هناك رز، لحم، مقبلات، حلى، وقهوة. فرقة العود عزفت بهدوء شديد، ثم غادرت دون أن تطلب كامل وقتها.
خلعت الطرحة، وجلست على طاولة; أمي بجانبي من جهة، ودانة من الجهة الأخرى، رغم أنني لم أكلمها. في الخارج، كانت الرياض تواصل ليلها كأن شيئًا لم يحدث. سيارات تمر، ناس تدخل وتخرج، أضواء الفنادق والمطاعم لا تنطفئ. المدينة لا تتوقف عندما تنكسر حياة أحد، فقط تترك لك زاوية صغيرة كي تجلس وتبكي.
لم أبكِ هناك، بكيت عندما وصلت إلى البيت. دخلت غرفتي بالفستان نفسه، وجلست على الأرض. أمي جلست خارج الباب، لم تطرق، قالت فقط: “أنا هنا”، وكان ذلك كافيًا.
في اليوم التالي استيقظت بمكياج جاف، من دون زوج، ومع 480 ألف ريال مستردة داخل ملف، ومع شعور غريب بالخجل. ليس لأنني ألغيت الزواج، بل لأنني كنت قريبة جدًا من عدم إلغائه.
الأيام التالية كانت معاملات; بلاغات، إفادات، نسخ، تواقيع، وقهوة باردة في أكواب ورقية. ممرات تشعرين فيها أن كل امرأة تحمل قصة تشبه قصتك باسم مختلف. محامية الأستاذ عبدالرحمن رافقتنا، وأبي أيضًا، ودانة حضرت كل مرة طلبوها، لم تختبئ بعد ذلك.
اكتشفنا أن فيصل استخدم امرأتين أخريين في حركات مشابهة; زميلة عمل سابقة، وقريبة بعيدة. كل واحدة بتوقيع مقلد، وقصة مزيفة، وديون تظهر فجأة مثل العفن بعد المطر. أنا أنقذني أنني تأخرت، أو ربما أن دانة وصلت في الوقت المناسب. وكان هذا يغضبني، لأنني كنت أريد أن أكرهها بلا تفاصيل، لكن الحقيقة لا تأتي نظيفة غالبًا.
بعد شهر، طلبت دانة أن أقابلها في مقهى قريب من حي الياسمين. كان نفس الحي الذي كنت أعيش فيه عندما أقرضتها المال، نفس المكان الذي ظننت فيه أن الصداقة حساب لا يُطالب أحد بسداده. تأخرت عمدًا. كانت هي هناك; دون نظارة، دون كعب، دون السيارة الفاخرة، ومع ملف بسيط وكوبين من القهوة.
قالت:
— ما كنت أدري إذا بتجين.
قلت:
— وأنا أيضًا.
دفعت الملف نحوي:
— هذه إثباتات ما دفعته. الشيك استلمتيه، لكن بقي هذا. فوائد. ما حسبها بنك، حسبتها وأنا أفكر في اللي خسرتيه.
فتحت الملف، كان فيه تحويلات مجدولة، ورسالة، ونسخة من عقد محل صغير باسمها، وضعته كضمان.
— من أين جئتِ بهذا؟
قالت:
— اشتغلت. أموري تحسنت بعدين. في البداية ما كانت كل خياراتي صحيحة، أعترف. بعدها حاولت أعمل بطريقة نظيفة. بعت تأمين، اشتغلت في العقار، أي شيء أقدر عليه. كنت أبغى أرجع لك المبلغ قبل، لكنه كان يلاحقني. لما ساعدني الأستاذ عبدالرحمن، قدرت أتحرك.
نظرت إليها:
— تركتِني وحدي ثلاث سنوات.
— نعم.
— الناس كلهم سخروا مني.
— نعم.
— أنا كنت سأساعدك.
بدأت دانة تبكي:
— وهذا أكثر شيء كان يخيفني.
— لم أفهم.
قالت:
— أن أعرف أنك فعلًا كنتِ ستساعدينني ومع ذلك خنتك.
بقيت أنظر إلى القهوة، كانت رائحتها دافئة، كرائحة صباحات قديمة، كأشياء لا تعود. قلت لها:
— لا أقدر أكون صديقتك الآن.
هزت رأسها:
— أعرف.
— يمكن أبدًا.
— أعرف أيضًا.
— لكن سأقبل أن تسددي لي.
— لازم تقبلين.
نظرت إليها لأول مرة دون غضب كامل:
— وستشهدين حتى النهاية.
— نعم.
— حتى لو سحبك فيصل معه؟
— أنا أصلًا كنت غارقة.
بقيت تلك الجملة بيننا. لم أحتضنها، لكنني لم أغادر فورًا. كان ذلك أقرب شيء إلى هدنة.
مر عام. دخل فيصل في الإجراءات، لم تكن سريعة، لا شيء يكون سريعًا حين تريد المرأة حقها. كانت هناك جلسات مؤجلة، محامون، محاولات صلح، ورسائل من والدته تطلب الرحمة. تعلمت ألا أرد حين يأتي الذنب متخفيًا في هيئة شفقة. شهدت دانة، وشهد الأستاذ عبدالرحمن، وشهدت أنا. عندما جاء دوري، لم أبكِ. قلت اسمي، عملي، المبلغ، التاريخ، الكذبة، التوقيع المزور، وفستان الزفاف الذي لم يصل إلى باب القاعة. قلت كل شيء بصوت واضح. فيصل لم ينظر إليّ، وكان هذا أفضل، لم أعد بحاجة أن يراني.
بالمال الذي استعدته، فتحت محل حلويات صغيرًا في الرياض. دهنت واجهته بلون هادئ، ووضعت في الواجهة كيكات الجزر، والتشيز كيك، والبسبوسة، والحلى البارد، والكيك الذي كنت أبيعه لأجمع مصاريف الزفاف. سميته “مها”.
بكت أمي عندما رأت اللوحة:
— ظننتك لا تريدين هذا الاسم بعد اليوم.
قلت:
— استعدته.
في يوم الافتتاح، جاء أبي بالورد، وأرسل الأستاذ عبدالرحمن ماكينة قهوة، وجاءت خالاتي وعماتي بالجوع والنصائح التي لم أطلبها. والجارة التي أعطتني المال يوم الزفاف علقت أول ورقة نقدية في زاوية المحل وقالت: “عشان ما ينقطع الرزق”.
جاءت دانة في النهاية، وقفت خارج المحل لم تجرؤ على الدخول. رأيتها من خلف الزجاج، تنفست بعمق، وخرجت إليها بصندوق صغير:
— كيك جزر، كان المفضل عندك.
أخذت الصندوق بحذر، كأنه قد ينكسر:
— شكرًا.
— هذا لا يعني أن كل شيء صار بخير.
— أعرف.
— لكنه يعني أنني لا أريد حمل الكره كل يوم.
بكت دانة، وهذه المرة لم يزعجني بكاؤها. بعض الجروح لا تعود صداقة، لكنها قد تتوقف عن النزيف.
بعد سنتين من ذلك الزفاف الذي لم يكتمل، ارتديت فستانًا آخر. لم يكن أبيض، كان أزرق. ولم ألبسه لأتزوج، لبسته لأحضر جلسة أخيرة، حيث أقر فيصل بجزء من التهم، وصدر قرار بتعويض عدد من المتضررات. لم تكن عدالة مثالية مثل القصص، لم يصفق أحد، ولم يسقط فيصل باكيًا يطلب السماح، لكنه خرج مقيدًا، وأنا خرجت أمشي، وكان ذلك كافيًا.
بعد الجلسة، جلست في مقهى هادئ، طلبت قهوة، وجلست أنظر إلى الناس حولي; نساء يتحدثن، أطفال يضحكون، رجال يمرون كأن العالم لم يتغير. وصلت دانة بعد دقائق، أنا التي طلبت منها الحضور، بدت متفاجئة:
— أنتِ بخير؟
— نعم.
أعطيتها منديلًا لأنها كانت تبكي، قلت:
— اليوم أغلق شيء.
هزت رأسها:
— بالنسبة لي أيضًا.
نظرت إليها:
— لا أعرف إذا كنا سنعود صديقتين.
— لن أطلب هذا.
— لكن أريد أن أقول شيئًا.
انتظرت دانة، فقلت:
— شكرًا لأنك وصلتِ إلى زفافي.
انكسر وجهها:
— آسفة على كل ما حدث قبل ذلك.
— أعرف.
لم أقل سامحتك، ليس بعد، ربما يومًا ما، وربما لا. لكننا في ذلك اليوم جلسنا في صمت، كامرأتين نجتا من شيء أكبر منهما.
أحيانًا يظن الناس أن النهاية السعيدة هي أن تدخل العروس القاعة، وترقص، وترمي باقة الورد. نهايتي كانت مختلفة; كانت ألا أتزوج، كانت أن أرى أبي يغلق علبة الشبكة ليبيعها بعد ذلك، كانت أمي تكوي مريول محل الحلويات كأنه فستان عرس، كانت أن أستعيد مالي، واسمي، وتوقيعي. كانت أن أفتح باب المحل كل صباح، وأشم رائحة الكيك الطازج في المدينة نفسها التي خسرت فيها كل شيء. كانت أن أتعلم أن كل من يعود لا يستحق الدخول مرة أخرى، لكن أحيانًا يعود شخص ومعه المفتاح الذي يجعلك تخرجين أنت.
فستان الزفاف ما زال محفوظًا، لم أبعه، ولا أنظر إليه بحزن. وضعته في صندوق أعلى الخزانة، بجانب الظرف العاجي، والصورة القديمة، ونسخة توقيعي المزور. ليس لأعذب نفسي، بل لأتذكر.
اليوم الذي نزلت فيه دانة من سيارة فاخرة، ظننت أنها جاءت لتكسرني، لكنها جاءت لتكسر القفص. وصلت متأخرة، وصلت بطريقة موجعة، وصلت ومعها ذنب كبير… لكنها وصلت قبل كلمة “نعم”.
ولهذا، عندما سألني أحد بعد سنوات لماذا سميت محل الحلويات باسمي، ابتسمت من خلف الواجهة، ويدي مغطاة بالدقيق، ورأسي مرفوع، وقلت:
— لأن هناك وقتًا كان هذا الاسم يؤلمني، والآن هو الذي يفتح لي باب رزقي.

