حماتي رمت الفنجان على الترابيزة وقالت قدام العيلة كلها الواد ده مش من دمنا

— أنا مكنتش اعرف إنه راح حلل!
— يا حلاوة!
— والله العظيم ما عرفت راجل غيره!
— برضه كلام ملوش لازمة.. ربيه مع أبوه الحقيقي بقى.
المحادثة اتقفلت على كده.
لما كريم جه بالليل، رمى شنطته على الأرض وعدى من جنبي من غير حتى ما يبصلي.
— أمتك قالتلي على موضوع التحليل — قلتله.
وقف مكانو:
— يبقى مفيش داعي للتمثيل خلاص.
— ليه مقتليش؟
— كنت هقولك.. بس في نفس اليوم فاجئتيني بتحليل الحمل الإيجابي!
— فقررت إني خنتك؟
— الدكتور قال مفيش أمل يا ندى! كنتِ عايزاني أفكر في إيه؟
— كنت عايزاك تسألني!
— عشان أسمع كدب؟
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة قالتها عيلته.
— وحياة اللي في بطني ده، مفيش راجل غيرك!
بصلي بقرف عمره ما بصلي بيه:
— متستغليش العيل ده عشان تبتزيني.
— ده ابنك!
— متقوليش الكلمة دي تاني!
اليوم اللي بعده، رمى الفطور اللي عملتهوله في الحوض. وبعدها بيومين ضرب الكرسي برجله لما سمعني بكلم أختي في التليفون. هو ممدش إيده عليا، بس حول البيت لمكان مرعب.. بقيت بمشي على أطراف صوابعي عشان متحصلش انفجارات جديدة.
في ليلة، حطيت الشنطة جنب الباب.
— أنا ماشية رايحة بيت أهلي في المعادي.
— اعملي اللي يعجبك.
— هو ده كل اللي عندك؟
— اه.. ومترجعنيش وأنتِ مستنية إني أترجاكي.
مسكت الشنطة.. وقبل ما أخرج، بصيت لكميرا المراقبة الصغيره اللي كنا حاطينها في الصالة بعد ما العمارة اتسرقت.. اللمبة الخضرا كانت لسه منورة.
ولأول مرة من أيام، حسيت إن النقطة المنورة الصغيره دي هي اللي هتشهد على الحقيقة اللي كريم مصمم ينكرها!
الجزء الثاني: رجعت بيت أهلي في المعادي، وطول الشهور دي كريم مفركرش يسأل عن ميعاد دكتور واحد.. ولا حتى أمه فاطمة. أنا كمان بطلت أتحايل. بابا كان بيروح معايا السونار، وأختي دهنت معايا أوضة صغيرة للبيبي. لما يوسف اتولد، بعد ١٤ ساعة ولادة، بكيت من الفرحة والقهرة في نفس الوقت.. كان واخد مناخير كريم، وفيه نغزة صغيرة في دقنه شبه جده بالظبط، بس كنت عارفة إن الشبه مش كفاية. استنيت لما قمت بالسلامة وطلبت تحليل DNA من معمل معتمد. وكمان حجزت ميعاد مع استشاري ذكورة وعقم، وأخدت معايا صورة تحليل كريم القديم اللي كنت لقيتها من شهور بين أوراق التأمين الطبي. لما الدكتور قرا النتيجة، حواجبة اترفت: — التحليل ده ميقولش إنه مبيخلفش بشكل نهائي! — بس أهله أكدولي إن الدكتور قالهم كده! — المكتوب هنا “انعدام الحيوانات المنوية في عينة واحدة”، ومكتوب توصية بإعادة التحليل بعد ١٢ أسبوع.. وكمان فيه ملاحظة: “وجود سخونية شديدة مؤخراً”. السخونية العالية ممكن تعطل إنتاج الحيوانات المنوية بشكل مؤقت.. أنتِ حملتي إمتى؟ حسبت معاه التواريخ. الدكتور قال: — الحمل حصل قبل الدور التعب ده.. طبيعي جداً يكون كان بيخلف عادي وقت الحمل، وبعدها بأسابيع السخونية أثرت على التحليل. جسمي كله اترعش: — يعني هما دمروا بيتي وحياتي عشان تحليل أساساً مش نهائي؟! — أنا مقدرش أتكلم عن بيتك، بس طبياً.. بالورقة دي، محدش كان ينفع يجزم إنه عقيم. بعد ٣ أيام طلعت نتيجة الـ DNA: نسبة الأبوة أكثر من ۹۹.۹۹٪. بعت لكريم صورة يوسف، وبعدها التقرير: — بصه كويس.. ده ابنك. رد في نفس اللحظة: — إيه الفبركة دي؟! — تقدر تعيد التحليل في أي معمل تعجبك. عدت دقائق، وبعدين كتب: — هو بجد ابني؟ — قلتلك كده من أول يوم. اتصلت بيه، ولأول مرة من سنة تقريباً يرد: — ندى.. لو الكلام ده صح، أنا جاي آخدكم بكره! سكت شوية: — تيجي تاخدنا؟! — أيوه، خلاص كل جاية بانت! — لا.. اللي بان هو مين أبوه، إنما اللي بينا انتهى من زمان أوي. — متكبريش الموضوع! أي حد مكانك كان هيشك! — الشك حاجة.. وإنك تظلمني وتعدمني حاجة تانية. — أنا كنت مدمر! — فقررت تدمرني أنا كمان! حاول يتكلم بس قفلت السكة في وشه. في نفس اليوم بعت لفاطمة نتيجة التحليل وتقرير دكتور الذكورة والورقة الكاملة للتحليل اللي ابنها مخبيها عنهم. اتصلت بيا وهي بتعيط: — ندى.. الورقة مكتوب فيها إن التحليل يتلغى ويتعاد! — أيوه. — كريم قالنا إن الدكتور قال مفيش أمل خالص! — اسأليه هو ليه قالكم كده. بعد ساعة اتصلت تاني: — أنا كلمت المركز في المهندسين.. أكدولي إنهم فهموه إن عينة واحدة مش كفاية وضروري يعيد التحليل، بس هو من صدمته مسك في أوحش احتمال وسد أذنه. — وبالاحتمال ده دمرتوني. — أنا عارفة.. حقك عليا. — لا.. أنتِ لسه معرفتيش جاية. فتحت من تليفوني الأرشيف بتاع كاميرا المراقبة بتاعة شقتنا القديمة، وبعتلها ٦ فيديوهات: كريم وهو بيرمي أكلي في الحوض، وهو بيضرب الكراسي برجله، وبيخبط أبواب الشقة، وهو بيقولي يا “كدابة يا وسخة” وأنا حامل في الشهور الأولى. فاطمة سكتت خالص: — يا ساتر يا رب.. يا الله! — ده اللي كان بيحصل وأنتو فاكرينه هو الضحية! اليوم اللي بعده كريم جه تحت بيت أهلي في المعادي.. بابا رفض يدخله. — أنا عايز أشوف ابني بس! خرجتله عند الباب وأنا شايلة يوسف وهو نايم: — تتكلم معايا الأول. — أنا اعتذرت خلاص! — لا.. أنت قلت إنها كانت سوء فهم. — وعايزاني أعمل إيه يعني؟! — تشيل مسؤولية اللي عملته. في اللحظة دي، وقفت عربية جيب سودة، ونزلت منها فاطمة ومعاها المحامي بتاع شركة العيلة. كريم وشه اصفر، والغرور اللي كان فيه اتبخر: — ماما؟! أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ فاطمة بصتله بقرف وكأنها أول مرة تشوفه: — جاية أصلح المصيبة اللي عملتها لما صدقتك ومنعت نفسي أسمع مراتك! كريم اتسمر مكانه وهو باصص لأمه مش فاهم حاجة: — أصلح إيه يا ماما؟ أنتِ جايبة المحامي معاكي ليه؟ هو إحنا مش جايين نلم الموضوع ونرجع مراتي وابني البيت؟ فاطمة قربت منه خطوات، ولأول مرة أشوف في عينيها نظرة قسوة موجهة لابنها، مش ليا: — مراتك؟ دلوقتي بقت مراتك؟ وابنك اللي فضلت سنة كاملة بتقول عليه ابن حرام، دلوقتي بقم ابنك وبدأت تفتكر حنيتك؟ — يا ماما أنا اتخدعت! التحليل هو اللي لخبطني! — التحليل مالمسش إيدك ولا رمى أكلها في الحوض! التحليل مخلتكش تضرب العفش وتسبها وهي حتة لحمة حمرا حامل في ابنك! التحليل ميكذبش، أنت اللي كذبت علينا كلنا! أنت اللي جيتلي البيت تعيط وتقول الدكتور قال مفيش أمل، وخبايت عننا التقرير اللي بيقول إنك لازم تعيد التحليل بعد السخونية! أنت اخترت تصدق إن مراتك خاينة عشان تريح عقلك من فكرة إنك ممكن تكون التعبان! كريم بصلي ووشه جايب ألوان، لسانه اتعقد وماعرفش يرد بحرف. المحامي طالع من شنطته ملف وأداه لفاطمة، وفاطمة مدتهولي: — ندى يا بنتي.. أنا عارفة إن كلمة “آسفة” مش هترجع الأيام السودة اللي عشتيها لوحدك، ولا هتمسح الوجع اللي حسيتيه وأنتِ بتولدي من غير راجل جنبك.. بس أنا جاية هنا أعمل اللي كان مفروض يتعمل من أول يوم. مسكت الملف واستغربت: — إيه ده يا طنط؟ — دي تنازلات رسمية وموثقة بالشهر العقاري.. الشقة اللي في التجمع اتكتبت باسمك واسم يوسف. وفيه مؤخرك وحقوقك كاملة متسجلة، وغير كده، نصيب كريم في الأرباح الشهرية من شركة العيلة هيتحول منه لحسابك فوراً كمصاريف ونفقة للمحروس الصغير اللي في إيدك.. ده حقك بالقانون ومن غير ما تطلبي. كريم صرخ بصوت هز الشارع: — أنتِ بتعملي إيه يا ماما؟! أنتِ ببتنازلي عن أملاكي لمراتي من غير ما ترجعيلي؟! وبتاخدي فلوسي من الشركة؟! فاطمة لفتله وبصتله بمنتهى الثبات: — دي مش أملاكك.. دي فلوس العيلة، وأنا اللي أملكه هيدخل للي صانت شرفك وشرفنا، مش للندل اللي هانها ورمى ابنه! من النهار ده أنت بره الشركة، وبره البيت، لحد ما تتعلم يعني إيه تبقى راجل وتشيل مسؤلية أفعالك! — أنتوا اتجننتوا؟! عشان حتة فيديو سجلته من ورايا؟! هنا بابا خرج من بوابة البيت، وققف بصلابة جنب مني: — الفيديو ده كشف معدنك يا كابتن! الفيديو ده ورانا إن بنتي كانت عايشة مع واحد بيستقوى عليها وهي ضعيفة وملهاش حيلة! أحمد ربنا إننا لحد الوقت ده ما رفعناش عليك قضايا ضرب وإهانة بالشهادات والتحاليل والتسجيلات اللي معانا! كريم بدا يترجع لورا، غروره اتكسر تماماً، وبدأ يتحول لشخص بيترجى: — ندى.. طب اسمعيني أنتِ.. عشان خاطر يوسف.. إحنا ممكن نبدأ من جديد، أنا هتعالج، وهروح لدكاترة النفسية، وهعمل كل اللي تطلبيه.. بلاش تهدي بيتنا! بصيت له بمنتهى الهدوء.. الوجع اللي كان جواه ألسنة طويلة اتطفا، والدموع اللي نزلت مني زمان تحولت لجمود تام. قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه مباشرة: — البيت اتهد يوم ما أنت قررت تطردني منه بقلب بارد.. اتهد يوم ما رمت الفطور في الحوض ويوم ما سميت ابنك “ابن حرام”.. يوسف هيكبر وهيعرف إن أمه صانت نفسها وصانته، وهيعرف إن أبوه اختار يظلمها بدل ما يقف جنبه. — ندى.. أرجوكي! — الورق هيوصلك من المحامي بتاعي.. الطلاق هيكون هادي وبكل حقوقي، ويا دوب هتشوف يوسف في المواعيد اللي القانون هيحددها، ده لو وافقت أصلًا إنك تقابله من غير إشراف. فاطمة مسكت إيدي وبستها، ودموعها نازلة على إيدها: — سامحيني يا بنتي.. أنا ظلمتك لما مشيت ورا كلامه وصديتك. — المسامحة ربنا اللي بيسامح يا طنط.. بس أنا مش زعلانة منك، أنتِ جيتي ورديتيلي اعتباري قدام الناس اللي اتهاموني في شرفي. فاطمة لفت لكريم وقالتله بنبرة حاسمة: — اركب العربية.. حسابك معايا جوه البيت لم ينتهي. كريم بصلي للمرة الأخيرة، كان شكله مكسور ورخيص جداً.. الشاب المغرور اللي كان فاكر إن فلوسه ونفوذ عيلته هيحموه، خرج من الشارع وهو مش حيلته حاجة.. اتطرد من شركة أهله، اتسحبت منه شقته، وخسر مراته وابنه للأبد. عدت الشهور.. ورجعت لحياتي وشغلي وأنا مرفوعة الراس. يوسف كبر شوية وبقت ضحكته تملى عليا الدنيا، وكل ما أفتكر اللمبة الخضرا بتاعة الكاميرا، أبتسم وأعرف إن ربنا لما بيحب يظهر الحق، بيبعت أسباب صغيرة أوي عشان تكسر أكبر الكدابين!
