جوزي زقني بكل قوته ناحية البوتاجاز
جوزي زقني بكل قوته ناحية البوتاجاز
جوزي زقني بكل قوته ناحية البوتاجاز عشان بيقول إني بوظت الغدا وفي ثانية واحدة كانت إيدي بتتحرق قدام عيني وأنا بصرخ من الوجع أما حماتي فبصتلي من فوق لتحت بمنتهى البرود وقالت: سيبوها يمكن المرة دي تتعلم تسمع كلام جوزها. وأما حمايا فماعملش أي جاجة غير إنه مد إيده للريموت وعلا صوت التلفزيون كأن صريخي مجرد صوت مزعج قطع عليه الفرجة وفي اللحظة دي بالذات، فهمت إن اللي هيحصل بعد كده هيقلب حياة كل واحد في البيت ده ، بس ولا واحد فيهم كان يتخيل إن النهاية قربت.
قبل ما أقولكم محمود سمع إيه خلا وشه يتقلب بالشكل ده، لازم أرجع بيكم أسبوعين بس… لأن اللي حصل الليلة دي ماكانش وليد لحظة غضب، ولا أنا صحيت من النوم فجأة وبقيت قوية، الحقيقة إن الخوف لما يفضل ساكن قلب الإنسان فترة طويلة، بييجي عليه يوم ويخليه يفكر بعقله بدل دموعه، وده بالضبط اللي حصل معايا.
قبلها بأسبوعين، محمود اتخانق معايا خناقة عمرها ما هتخرج من ذاكرتي، والسبب كان تافه جدًا، مجرد إني رديت على أمي في التليفون واتأخرت شوية وأنا بكلمها، أول ما قفلت، خطف الموبايل من إيدي ورماه في الحيطة لدرجة إنه اتكسر، ولما قلتله بهدوء: “حرام عليك… ده أنا حتى مكلمتش حد غريب”، قرب مني لدرجة إني كنت حاسة بنَفَسه في وشي، وقال بصوت واطي، لكنه كان مرعب أكتر من أي صريخ:
“قسماً بالله لو فكرتِ في يوم تفضحيني أو تشتكيني لحد… هدخلك من الباب ده محدش هيطلعك منه تاني.”
الكلام ده فضل بيرن في ودني أيام.
ماكنتش بخاف أنام علشان الكوابيس.
كنت بخاف أنام وأصحى ألاقيه واقف فوق راسي.
كل صوت في نص الليل كان بيفزعني.
كل مرة أسمع فيها مفتاح الشقة بيلف في الباب، قلبي كان يقع في رجليا قبل ما أعرف هو داخل مزاجه عامل إزاي.
حتى الأكل بقيت أعمله وأنا إيدي بتترعش، مش خوفًا من إنه ميعجبوش، لكن خوفًا من رد فعله لو معجبوش.
وأكتر جاية كانت بتوجعني، إن كل مرة أحاول ألمح لحماتي إني تعبانة، كانت ترد بنفس الجملة:
“استحملي… كل الرجالة عصبية.”
وكأن العصبية بقت مبرر لكل حاجة.
فضلت أعيش بالشكل ده لحد اليوم اللي قابلت فيه واحدة من جاراتنا على السلم، بصتلي في وشي وسكتت شوية، وبعدها قالتلي:
“إنتِ كويسة يا بنتي؟”
ابتسمت وقلت تلقائي:
“آه… الحمد لله.”
لكن الظاهر إن وشي كان بيقول غير كده.
قالتلي بهدوء:
“لو احتجتي أي مساعدة في أي وقت… متتكسفيش.”
دخلت الشقة يومها، وقعدت أبكي لأول مرة من غير صوت.
مكنتش بعيط من الضرب.
ولا من الإهانة.
كنت بعيط لأني اكتشفت إن واحدة غريبة شافت اللي محدش من أهل جوزي رضي يشوفه.
وفي اليوم اللي بعده، خرجت من البيت بحجة إني رايحة أشتري شوية طلبات، لكن الحقيقة إني كنت رايحة أقابل محامية رشحتهالي واحدة صاحبتي في الشغل القديم.
حكيتلها كل جاجة من أول الإهانات لحد التهديد الأخير.
سمعتني للآخر من غير ما تقاطعني، وبعدها قالتلي بهدوء:
“أول جاجة لازم تعرفيها… إن سكوتك مش هيحميكي.”
سألتها وأنا قلبي بيرتعش:
“أعمل إيه؟”
قالت:
“أي خطوة هتعمليها لازم تكون بعقل، ولو حصل أي اعتداء تاني، لازم يبقى عندك دليل، لأن الكلام لوحده ساعات بيبقى صعب يثبت كل اللي بتقوليه.”
خرجت من عندها، وأنا حاسة إن لأول مرة من شهور حد سمعني من غير ما يقولي: “استحملي.”
لكن رغم كده…
ماكنتش أعرف إن الفرصة اللي كانت بتتكلم عنها المحامية هتيجي أسرع بكتير مما كنت متخيلة، لأنني وأنا خارجة من عندها كنت فاكرة إن قدامي وقت أفكر، وأرتب، وأقرر هعمل إيه لو محمود مد إيده عليا مرة تانية، لكن اللي حصل بعد كده أثبتلي إن بعض الفرص مبتستأذنش قبل ما تيجي.
فضلت أفكر في كلامها طول الطريق، وكل كلمة قالتها كانت بترجع تتردد في دماغي كأنها بتفوقني من غيبوبة كنت عايشة فيها بقالها سنة ونص، خصوصًا لما قالتلي بهدوء وهي بتبصلي في عيني:
“لو حصل أي اعتداء تاني… لازم يبقى عندك دليل، لأن اللي بيضرب مرة، أول حاجة هيعملها بعد كده إنه ينكر.”
رجعت البيت وأنا عارفة إني لو فضلت مستنية معجزة، محدش هيجي ينقذني، وإن اليوم اللي هقرر فيه أتكلم من غير إثبات، هيبقى أول يوم أسمع فيه الناس بتسألني: “ومين يثبت إن ده حصل فعلًا؟”
وبعد يومين…
كلمت أخويا.
مكنتش ناوية أحكيله كل جاجة، وكنت داخلة عليه وأنا مجهزة عشرين كذبة أهرب بيهم من أسئلته، لكن أول ما شاف الكدمات اللي كانت مستخبية تحت كم العباية، بصلي نظرة طويلة، وقال بصوت هادي، لكنه كان مليان وجع:
“هو عمل فيكي إيه يا أختي؟”
وقتها…
انهرت.
ولأول مرة من ساعة ما اتجوزت، حكيت لحد كل جاجة، من غير ما أخبي، ومن غير ما أبرر، ومن غير ما أقول الجملة اللي كنت بحاول أقنع نفسي بيها كل مرة: “أكيد مكنش يقصد.”
كنت متوقعة يقوم يروح لمحمود، أو يعمل مشكلة كبيرة، لكنه فضل ساكت شوية، وبعدها قال:
“لو رحت اتخانقت معاه، هينكر… ولو بلغنا من غير دليل، هيقول إنك بتفترى عليه، لكن لو سيبناه هو بنفسه يثبت كل جاجة… ساعتها مش هيعرف يهرب.”
وبعدها بكام يوم، جه البيت في معاد شغل محمود، وقال إنه جاي يصلح درج المطبخ اللي كان بايظ من فترة، واتحرك في المطبخ كام دقيقة، بينما حماتي كانت فاكرة إنه بيصلح الدرج فعلًا، ولما خلص، خرج وهو بيبصلي نظرة فهمت منها إن كل جاجة بقت جاهزة، وقال بهدوء:
“لو حصل أي جاجة… اعملي اللي اتفقنا عليه، وسيبي الباقي عليا.”
ما سألتوش كان يقصد إيه.
ولا حاولت أعرف عمل إيه.
لأن كل ما كنت أعرف أقل…
كل ما كان هيبقى أسهل عليا أفضل طبيعية قدام محمود، وأخليه يفضل مقتنع إن البيت كله تحت سيطرته، وإن مفيش حاجة اتغيرت.
لكن للأسف…
اللحظة اللي كنت بدعي إنها متجيش، جت أسرع بكتير مما توقعت.
زقني بكل قوته ناحية البوتاجاز.
وفي ثانية واحدة، حسيت النار بتاكل إيدي قدام عيني، ولما أدركت إن دي هي اللحظة اللي كنا مستنيينها، مديت إيدي السليمة بهدوء ناحية أسفل الرخامة، ولمست الحاجة الصغيرة اللي أخويا كان سايبها هناك، ولمسة واحدة كانت كفاية، وبعدها رجعت إيدي لمكانها في نفس الثانية، كأنني كنت بمسح دموعي وبس.
ولا محمود انتبه.
ولا حماتي شكت.
ولا حتى حمايا رفع عينه من التلفزيون.
فضل محمود يزعق…
وحماتي تشمت…
وحمايا يتابع المباراة كأن اللي بيحصل قدامه مجرد خناقة عادية.
لحد ما محمود سكت في نص كلامه، ولف ناحية باب الشقة بسرعة.
اختفت ابتسامته وشحب وشه مرة واحدة.
ولأول مرة من ساعة ما اتجوزته…
شفته بيبلع ريقه بخوف.
الخبط على الباب اتكرر.
المرة دي كان أقوى.
محمود وقف مكانه كأنه فقد القدرة حتى على الحركة، بينما قامت حماتي وهي بتقول بضيق:
“يا ابني افتح الباب… الناس هتفتكر إن عندنا مصيبة.”
رد عليها بسرعة وهو بيحاول يخفي ارتباكه:
“استحلفك بالله… محدش يفتح.”
لكن قبل ما يكمل كلامه، جه صوت هادئ وحازم من بره الباب:
“افتح يا أستاذ محمود… إحنا من الشرطة… جالنا بلاغ.”
في اللحظة دي، حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجليه.
بصلي بسرعة.
وبعدين بص لإيدي المحروقة.
ورجع بص ناحية الباب.
كأنه لأول مرة استوعب إن اللي كان بيعمله طول الشهور اللي فاتت ممكن يتحاسب عليه.
فتح الباب وهو بيحاول يتمالك نفسه، لكن ارتباكه كان باين في كل حركة.
دخل الضابط ومعاه فردان من الشرطة، وأول ما وقعت عينه على إيدي، طلب يشوفها.
مديتله إيدي من غير ما أتكلم.
بص للحرق، وسألني بهدوء:
“مين اللي عمل فيكي كده؟”
قبل ما أرد، محمود اتكلم بسرعة وقال:
“يا فندم ده حادث… هي اللي وقعت على البوتاجاز.”
لكن الضابط مبصليش مرة واحدة وخلاص.
فضل يبص لإيدي، وبعدها بص لوشي، وكأنه مستني الإجابة مني أنا.
وفي اللحظة دي، طلع أخويا من آخر السلم وهو بيجري.
وقف قدام الضابط وقال من غير تردد:
“أنا اللي بلغت بعد ما وصلتني إشارة الاستغاثة… لأن أختي كانت متفقة معايا إنه لو بعتتلي إشارة الاستغاثة أعرف إن فيه اعتداء حصل.”
بصله الضابط باهتمام، فأكمل أخويا:
“وفيه تسجيلات لكل اللي حصل… هسلمها للمحامية بالطريق القانوني.”
محدش اتكلم بعد كده.
حتى محمود…
أول مرة أشوفه ساكت، ومش لاقي حاجة يقولها.
اتعمل محضر بالواقعة، وتم استدعاء الإسعاف، وروحت المستشفى، واتثبتت إصابتي بتقرير طبي رسمي، وبعدها سلم أخويا التسجيلات للمحامية، والمحامية قدمتها للنيابة مع التقرير الطبي، ومن هنا بدأت القض..ية.
القض..ية خدت شهور.
ويمكن كانت أصعب شهور في حياتي.
مش لأن الطريق كان سهل…
لكن لأنني لأول مرة كنت بمشي فيه وأنا مش لوحدي.
كانت كل جلسة بتوجعني وأنا برجع أفتكر اللي عشته، لكن كل مرة كنت ببص لإيدي، أفتكر إن السكوت كان هيخليني أعيش الوجع ده العمر كله.
وفي النهاية…
أثبتت التحقيقات واقعة الاعتداء، واطمأنت المحكمة إلى الأدلة والتقرير الطبي والتسجيلات، وصدر الحكم، وحصلت على الطلاق للضرر، وخرجت من البيت ده وأنا معنديش إحساس إني انتصرت على محمود…
قد ما كان عندي إحساس واحد بس…
إن ربنا أخيرًا ردلي كرامتي اللي كنت فاكرة إنها ضاعت للأبد.
ومن يومها…
كل ما حد يقولي: “استحملي…”
أفتكر إن أكتر حاجة كانت بتطول عمر الظلم…
هي السكوت عليه.
النهاية.


