دموع على رصيف بغداد

في صباح شتوي بارد داخل العاصمة بغداد، كان رجل الأعمال الشهير سليم الكيلاني ينزل من سيارته الفارهة متجهًا إلى أحد اجتماعاته المهمة وهو يراجع رسائل العمل على هاتفه، غير مدرك أن لحظة واحدة فقط ستقلب حياته كلها رأسًا على عقب، وتفتح بابًا أغلقه بيده منذ سنوات طويلة وظن أنه لن يُفتح أبدًا. رفع عينيه مصادفة نحو الرصيف المقابل فتجمد مكانه فجأة وكأن الزمن توقف من حوله، لأن امرأة تجلس بجوار جدار قديم ومعها ثلاثة أطفال صغار لفتت انتباهه بطريقة غريبة لم يستطع تفسيرها في البداية. كانت المرأة ترتدي ملابس بسيطة وقد بدت عليها آثار التعب والبرد، بينما كان الأطفال الثلاثة يلتصقون بها بحثًا عن الدفء، وهي تحمل قطعة كرتون كتبت عليها عبارة ترجو بها المساعدة من المارة. لكن اللافتة لم تكن السبب الذي جعله يتوقف، بل الوجه الذي رآه أمامه فجأة وكأنه عاد سنوات طويلة إلى الورا؛ كانت ليان، الحب الأول الذي ظن يومًا أنها ستكون زوجته وأم أولاده، والذي تركه خلفه عندما سافر ليبني مستقبله ويؤسس شركته الخاصة ويلاحق أحلام الثراء والنجاح.

شعر سليم بأن الأرض تميد تحت قدميه وهو يحدق فيها غير مصدق أن هذه المرأة المنهكة هي نفسها الفتاة التي كانت تملأ حياته ضحكًا وأملًا قبل سبع سنوات كاملة. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في ليان وحدها، بل في الأطفال الثلاثة الجالسين إلى جوارها لأن ملامحهم كانت تشبهه بشكل مخيف وكأنهم نسخ مصغرة منه؛ نفس العينين العسليتين، ونفس شكل الحاجبين، وحتى الابتسامة الصغيرة التي ظهرت على وجه أحدهم كانت تشبه ابتسامته وهو طفل بحسب ما كانت أمه تحكي له دائمًا. اقترب منها ببطء وقلبه يخفق بقوة حتى كاد يسمعه من حوله، ثم نطق اسمها بصوت مرتجف وهو لا يصدق ما يراه. رفعت رأسها نحوه واتسعت عيناها من الصدمة، ثم خفضت نظرها سريعًا وكأنها لا تريد مواجهته بعد كل هذه السنوات. قال بصوت خافت يكاد يختنق من شدة التأثر: “ليان؟”، فسكتت للحظات طويلة قبل أن تهمس باسمه بصوت ضعيف وكأنها لم تنطق به منذ زمن بعيد.

وقف أمامها عاجزًا عن الكلام بينما مئات الأسئلة كانت تتزاحم داخل رأسه دفعة واحدة؛ ماذا حدث لها؟ ولماذا أصبحت في هذا الحال؟ ومن هؤلاء الأطفال الذين يشبهونه بشكل لا يمكن تجاهله؟ ولماذا لم تحاول الوصول إليه يومًا؟ لكن قبل أن يسأل أي شيء، بدأ أصغر الأطفال يسعل بشدة، فاحتضنته ليان بسرعة تحاول تهدئته بينما كان جسده يرتجف من البرد. في تلك اللحظة خلع سليم معطفه فورًا ووضعه حول الطفل، ثم قال بنبرة حاسمة لم تسمعها منه من قبل: “قومي معي حالًا”. هزت رأسها بخوف وقالت إنها لا تستطيع الذهاب معه وأن الأمر أعقد مما يتخيل، لكنه أصر وأخبرها أنه لن يتركها هي والأطفال في الشارع دقيقة واحدة أخرى مهما كان السبب. ترددت كثيرًا قبل أن توافق أخيرًا، وبعد دقائق كانوا داخل سيارته متجهين نحو أحد الفنادق الكبيرة، بينما كان الصمت يملأ المكان وكأن كل واحد منهما يخشى سماع الحقيقة.

وعندما دخلوا الجناح الفاخر وجلس الأطفال يتناولون الطعام لأول مرة منذ أيام طويلة، انفجرت ليان بالبكاء بطريقة مزقت قلبه وجعلته يشعر لأول مرة أن هناك شيئًا مرعبًا تخفيه عنه. وبصوت متقطع أخبرته أن يوم سفره قبل سبع سنوات كان آخر يوم رأته فيه، وأنها اكتشفت بعد رحيله بأسابيع قليلة فقط أنها حامل. تجمد سليم في مكانه وهو يستمع إليها غير قادر على استيعاب ما يسمعه. قالت إنها حاولت الوصول إليه عشرات المرات لكن رقمه تغير وعنوانه اختفى، ولم تجد أي وسيلة للتواصل معه. ثم جاءت الصدمة الثانية عندما رفض والدها الاعتراف بالحمل وطردها من البيت خوفًا من كلام الناس، بينما ماتت والدتها بعد فترة قصيرة من الحزن والمرض. عاشت وحدها تقاوم الحياة وتنفق على أطفالها الثلاثة بأي عمل تجده، حتى انهارت صحتها وخسرت آخر وظيفة كانت تعتمد عليها.

رفع سليم يديه فوق وجهه وهو يشعر أن كل نجاحاته وثروته لا تساوي شيئًا أمام الكلمات التي يسمعها الآن. لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في الأطفال ولا في سنوات الفقر التي عاشتها ليان، بل في الظرف القديم الذي أخرجته من حقيبتها ووضعته أمامه على الطاولة، وقالت له وهي ترتجف: “هذا السبب الحقيقي الذي دمّر حياتنا”. فتح الظرف ببطء فوجد داخله عشرات الرسائل التي كانت قد أرسلتها له طوال السنوات الماضية، لكنها عادت إليها جميعًا دون أن تصل، وبين الرسائل ورقة واحدة مختلفة جعلت لون وجهه يتغير فورًا؛ كانت رسالة مكتوبة بخط شخص يعرفه جيدًا، خط شقيقه الأكبر “طارق”. وفي أسفل الرسالة اعتراف صريح بأنه هو من أخفى رسائل ليان عنه طوال تلك السنوات، لأنه كان يخشى أن تؤثر على تركيزه ومستقبله الاستثماري في بداية مشواره.

ارتجفت يد سليم وسقطت الورقة من بين أصابعه وهو يدرك أن الشخص الذي وثق به أكثر من أي إنسان آخر كان السبب في ضياع سبع سنوات من عمره وعمر أطفاله. لكن الصدمة التي جعلت ليان ترتعب لم تكن الرسالة نفسها، بل الجملة الأخيرة المكتوبة فيها، جملة كشفت أن شقيقه لم يكن يخفي الرسائل فقط، بل كان يعرف سرًا أخطر بكثير يتعلق بالأطفال الثلاثة وبسبب اختفائه المفاجئ قبل عامين. وعندما قرأ سليم السطر الأخير، شعر أن قلبه توقف للحظة، لأن الحقيقة التي اكتشفها كانت أكبر بكثير من قصة حب ضائعة أو عائلة مشتتة.

كان السطر الأخير يقول: “سليم، إن الأطفال ليسوا مجرد أبنائك، بل هم الحاملون الوحيدون لإرث العائلة الحقيقي بعد أن علمتُ بإصابتي بمرض عقيم يمنعني من الإنجاب، وقد قمتُ قبل اختفائي بنقل نصف ثروتك وثروتي باسمهم سرا في حساب مغلق لا يُفتح إلا ببلوغهم، لحمايتهم من أطماع الشركاء الذين يراقبونني، واختفائي كان للهرب منهم بعد أن هددوني بكشف أمر الأطفال لتدمير اسمنا في السوق”. تلاقت أعين سليم وليان في صمت ذهول وتداخلت مشاعر الصدمة بالارتياح؛ فبينما كان شقيقه قد ارتكب خطيئة كبرى بإخفاء الحقيقة لسنوات، إلا أنه في نهاية حياته حاول حماية هؤلاء الأطفال بطريقته الخاصة والملتوية، تاركًا خلفه خيطًا أعاد شمل العائلة رغماً عن كل الظروف. وفي تلك اللحظة، نظر سليم إلى أطفاله الثلاثة والدموع في عينيه، وقرر أن يعوضهم ويعوض ليان عن كل ثانية قضوها في البرد والشقاء، مؤكدًا أن رحلة العذاب قد انتهت وبدأت صفحة جديدة من الأمان والعدالة الحقيقية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *