طلقها ياعيسى

​— طلقها يا عيسى.

​عيسى بصدمة: أطلقها إزاي يا أمي، ده إحنا لسه عرسان جداد!

​الأم بجمود: اللي سمعته، تنفصل عنها دلوقتي حالا.

​كانت الزوجة واقفة مصدومة من حماتها التي تبدلت معاملتها فجأة:

— ليه يا حماتي؟ هو أنا زعلتك في حاجة؟ ده إحنا مكملناش شهر مع بعض.

​حنان بحزم: مش عاوزة أشوفكم مع بعض تاني.

​دخل شقيقه جاسر على صوتهم:

— في إيه؟ صوتكم عالي كده ليه؟

​عيسى: أمك عايزاني أنفصل عن قمر.

​جاسر بذهول: ليه يحصل كده يا ماما؟

​حنان: ملكش دعوة، يا تنفصل عنها يا إنت مش ابني ولا أعرفك.

​عيسى بهدوء: قمر مراتي وبحبها ومش هستغنى عنها أبداً.

​قمر بحزن: اسمع كلامها يا عيسى، متخسرش والدتك بسببي.

​عيسى بانفعال: اطلعي على شقتك يا قمر فوراً، مش عايز كلام في الموضوع ده.

​صعدت قمر لغرفتها مكسورة الخاطر، بينما قالت حنان:

— تاخدها وتمشي من بيتي، وملكمش مكان هنا بعد النهاردة.

​عيسى قبل يد والدته باحترام: اللي تشوفيه يا أمي، مع السلامة.

​حاول جاسر تهدئة الموقف، لكن عيسى ودعه بهدوء وطلب منه رعاية والدتهما قبل أن يصعد ليجمع أمتعته برفقة زوجته.

​أثناء حزم الحقائب، رن هاتف عيسى فابتعد ليرد بضيق:

— عايزة إيه تاني يا نرجس؟

​نرجس: عايزة مصاريف البنت، ولا خلاص لما اتجوزت رسمي نسيتنا؟

​عيسى بحدة: الورقة اللي بينا انتهت، وإنتي عارفة إن البنت مش بنتي وكنت بساعدك إنسانياً مش أكتر، متتصليش بيا تاني.

​أغلق الخط، بينما توعدت نرجس بعدم ترك الأمر يمر بسلام.

​نزل عيسى وقمر، وودعهما جاسر بحزن عميق. وبعد رحيلهما، دخل جاسر غرفته متأثراً، لتلحق به والدته وتسأله:

— لسه بتحب قمر يا جاسر؟

​جاسر بتوتر: قصدك إيه يا ماما؟

​حنان: أنا عرفت من يوم الفرح إنها البنت اللي كنت بتتمناها من سنين، وعملت كده علشان أبعدها عنك ومشوفكش بتتألم كل يوم.

​جاسر بحرقة: ليه كده يا ماما؟ أنا كنت هسافر وأمشي، ليه تفرقي بين أخويا ومراته بسببي؟

​خرج جاسر غاضباً وتوجه إلى صالة التدريب الرياضي ليفرغ طاقته وحزنه في تمرين شاق ومواجهة رياضية عنيفة على الحلبة انتهت بفوزه وسط تشجيع الحاضرين.

​في اليوم التالي، وأثناء وجود عيسى وقمر في أحد المطاعم، ظهرت نرجس فجأة ومعها ورقة زواج قديمة:

— منور يا عيسى، مش تعرف مدام قمر إنك متجوزني وعندك بنت؟

​قمر بصدمة ودموع: الكلام ده بجد يا عيسى؟ متجوز عليا؟

​عيسى بتوتر: صدقيني دي بتكذب يا قمر!

​أمسكت قمر بالورقة وهي غير مستوعبة، ثم ركضت خارج المطعم بانهيار، وخرج عيسى يركض خلفها محاولاً توضيح الأمر، وأثناء عبورها الطريق مسرعة لم تنتبه للسيارة القادمة نحوها ليحدث ما لم يكن في الحسبان.

​خرج جاسر من باب المستشفى وهو يجر خطواته الثقيلة، محاولاً لملمة شتات مشاعره التي تبعثرت بين حبه الصامت لقمر ووفائه المطلق لأخيه عيسى. كانت ملامحه حاسمة بعد أن أقسم على إغلاق هذه الصفحة إلى الأبد بالسفر بعيداً، تاركاً خلفه كل أثر لتلك المشاعر المعقدة.

​في الداخل، كانت الأجواء مشحونة بالندم والمصارحة. اقتربت الأم حنان ببطء من سرير قمر، وعيناها تفيضان بدموع حقيقية، ثم جلست بجانبها وأمسكت بيدها برفق قائلة بصوت مرتعش:

— سامحيني يا بنتي، الأنانية والخوف عموني، وافتكرت إني بحمي ابني وأنا كنت بدمر بيته وسعادته بإيدي.

​نظرت قمر إلى وجه حماتها ثم إلى عيسى الذي كان يقف خلفها يترقب في رجاء، فابتسمت بوهن وردت بصوت ضعيف لكنه يحمل الكثير من النقاء:

— المسامح كريم يا أمي، المهم إن ربنا نجانا ورجعنا لبعض من غير شكوك أو أسرار.

​غمرت الفرحة قلب عيسى، وانحنى يقبل رأس والدته ورأس زوجته، معلناً بداية صفحة جديدة خالية من أي توتر. وبعد أيام من الرعاية الطبية، تعافت قمر تماماً وعادت برفقة عيسى إلى بيت العائلة بطلب وإصرار من الأم، التي جهزت لهما استقبالاً يليق ببدء حياة جديدة قائمة على الود والاحترام.

​لكن الأحداث لم تنتهِ عند هذا الحد، فبينما كان الجميع يستعدون لحفل عائلي بسيط بمناسبة شفاء قمر، وققبل موعد طائرة جاسر بساعات قليلة، وصل طرد غير متوقع إلى باب المنزل باسم عيسى.

​فتح عيسى الطرد وسط دهشة الجميع، ليجد بداخله مستندات رسمية قديمة تخص ملكية أراضٍ وعقارات باسم والدهم الراحل، بالإضافة إلى رسالة بخط يد شريك والدهم القديم، تكشف مفاجأة قلبت كل الموازين: الشراكة القديمة لم تكن خاسرة كما ظنوا لسنوات، بل تم التحفظ على أموال ضخمة وأصول عقارية تم فك الحظر عنها مؤخراً لتصبح من حق الشقيقين عيسى وجاسر بالتساوي، بشرط إدارة المشروع معاً دون انفصال.

​ساد الصمت لبرهة قبل أن ينظر عيسى إلى أخيه بحماس بالغ:

— القدر بيرفض إننا نبعد يا جاسر، سفرك اتلغى خلاص.. مكانك هنا كتف في كتف معايا عشان نرجع اسم وتعب أبونا من تاني.

​تردد جاسر للحظة، لكنه نظر إلى والدته التي هزت رأسها برجاء، ثم إلى عيسى وقمر اللذين أظهرا له كل مشاعر الأخوة والدعم، فأدرك في تلك اللحظة أن هروبه لم يكن هو الحل الصحيح، بل مواجهة الحياة وبناء مستقبل عائلتهما معاً هو التحدي الحقيقي.

​ابتسم جاسر ومزق تذكرة السفر وسط فرحة عارمة ملأت أرجاء المنزل، لتبدأ مرحلة جديدة من الشراكة والنجاح والتكاتف، مبرهنين أن الروابط الأسرية الصادقة قادرة على تجاوز أصعب العواصف وتحويل الأزمات إلى بدايات مشرقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *