نادية حكايات انجى الخطيب

نزلت “نادية” من ميكروباص السفر وهي شايلة شنطة جلد قديمة، وفي قلبها وعود بقالها 7 شهور بتسمعها من راجل متعرفوش غير من جوابات وكلام على الورق. يا دوب حطت رجلها على الأرض التراب في عزبة “كفر الغريب” بالصعيد، لقت “الغفير” بتاع الأرض حط إيده على وسطها وكأنه بيتملكها. نادية ما استنتش، لفت وادته قلم على وشه خلى صوت الصدى يرج في بيوت القرية. صرخت: “مفيش راجل يلمس ست من غير إذنها!”.. الغفير اتجمد في مكانه، وشه بيتحرق من كتر الدم اللي غلي في عروقه من القلم اللي نزل عليه، والناس حواليهم بدأت تهمس وتضحك. نادية كانت طويلة، ملامحها قوية، ولابسة جلابية سفر بسيطة، مكنتش شبه “العروسة الرقيقة” اللي أهل القرية كانوا مستنينها. ست لابسة دهب كتير وقفت بتبص لنادية بقرف وقالت: “دي عروسة حمزة الشاذلي؟ ما هو ده اللي يفسر ليه مابعتش حد يستقبلك”.

​نادية مسكت شنطتها بقوة. هي سافرت 3 أيام عشان تقابل الراجل اللي كان بيبعتلها جواب كل أسبوع، بيوصف لها أرض ومزرعة في الجبل وحياة هيبنوها سوا. سألت: “فين مزرعة (أبو سمرة)؟”. راجل عجوز شاور لها على طريق جبل طويل، وحذرها إن حمزة “دفن نفسه” مع مراته اللي ماتت من 4 سنين. نادية فضلت ماشية لحد ما رجلها اتجرحت. قبل الغروب، وصلت لبيت متهالك محاط بحظائر مهدومة، و58 رأس ماشية بيشربوا من مية طين سوداء، مع إن الجبل حواليهم كان مليان برسيم أخضر!

​حمزة كان بيصلح سور لما شافها. كتفه اتشد، ولحظة خيبة أمل بانت على وشه. نادية لاحظت ده فوراً وقالت: “أنا نادية، الست اللي طلبت منها تيجي هنا”. حمزة شال طاقيته ومقدرش يبص في عينها: “ماكنش لازم تيجي. المزرعة خلصت، وهسفرك بكره الصبح”. نادية بصت للبيت الخربان والحيوانات اللي جلدها على عضمها، والطريق اللي طلعته لوحدها، وقالت: “والليلة؟ ناوي تبعتني أنام جعانة بعد المشوار ده كله؟”. حمزة حَس بالخزي. نادية كملت: “حيواناتك مش خاسة عشان الأرض وحشة، دي خاسة عشان مش لاقيين حد يسقيهم مية نضيفة أو يوديهم للزرع”. حمزة كشر: “انتي ما تعرفيش حاجة عن الأرض دي”. ردت بثقة: “أعرف كفاية إني أشوف الإهمال بعيني”.

​بالليل، قعدوا ياكلوا “فول مدمس” في صمت. نادية عرفت إن حمزة قافل أوضة مراته من يوم ما ماتت، وسايب مكتب أبوه، “العمدة فراج”، مقفول زي ما هو. قبل الفجر، نادية نظفت الإسطبل، وحلبت “سعدية” (بقرة عجوزة كانت ضروعها ناشفة)، وبدأت تدور في مكتب العمدة فراج. في درج مقفول، لقت سجلات تربية مواشي بقالها 32 سنة. العمدة فراج ماكنش بيربي مواشي عادية، كان بيطور فصيلة بتستحمل الحر والعطش. الـ 58 رأس اللي الناس فاكراهم خردة، كانوا زبدة شغل عمره. حمزة كان بيقلب في الورق القديم وعينه مدمعة، وكأن أبوه بيكلمه: “الناس كلها كانت بتقول عليه مجنون.. وبالذات الباشا فوزي الرشيدي”.

​فوزي الرشيدي هو أكبر “مستثمر” في المنطقة. بقاله سنتين بيحاول يشتري المزرعة بتراب الفلوس. وهو شريك “مدير البنك” وصاحب “رمزي”، أخو حمزة الصغير، اللي كان بيضغط على أخوه عشان يبيع ويقسموا الورث. لمدة 10 أيام، نادية وحمزة اشتغلوا إيد واحدة. نقلوا المواشي للزرع، صلحوا السور، ونظفوا الحظائر. وتحت جذور شجرة ضخمة، اكتشفوا “عين مية” جارية وبتنبع مية نضيفة حتى في عز الصيف. لأول مرة من سنين، حمزة بدأ يشوف إن المزرعة ممكن تتصلح، ولأول مرة بص لنادية من غير ندم.

​يوم الجمعة، جه فوزي الباشا ومعاه مدير البنك ورمزي. رمزي ما سلمش على نادية وقال لأخوه: “امضي على البيع.. انت ضيعت تعب أبونا، ومش هخلي الست دي تاخد ورثي”. نادية كانت بتراقب فوزي. أول ما شاف المية اللي طالعة من العين، ملامحه اتغيرت، مابقاش يبص على المواشي، عينه كانت على العين. قالت بهدوء: “هو مش عايز الأرض.. هو طمعان في عين المية”. مدير البنك حط ورق البيع على الطرابيزة وضرب الضربة القاضية: ديون حمزة لازم تتسدد خلال 30 يوم، وإلا المزرعة تروح للباشا. وهنا رمزي ضحك وقال إنه هو اللي مضى على الاتفاق ده من شهور!

​نادية رجعت لسجلات العمدة فراج، دورت لحد ما إيديها اسودت من التراب. وفي آخر صفحة، لقت ملحوظة بخط إيد أبوه: “الأربع عيون مية متسجلين باسم العيلة بعيد عن ملكية الأرض”. لو الكلام ده صح، فوزي ممكن ياخد الأرض بس ملوش حق في المية. بس “عقد الملكية الأصلي” كان مفقود. في نفس الليلة، نار ولعت في الحظيرة. حمزة جري وسط الدخان ينقذ الورق والمواشي، ولقى فانوس غاز عليه حروف اسم “فوزي الرشيدي”. الحريق ماكانش صدفة، ده حد عايز يمسح أي دليل على شغل العمدة فراج.

​حمزة رجع يجري على البيت ينادي على نادية، لكنها ماكنتش موجودة، هي و”المهرة” اللي كانت ملك العمدة فراج. شاف آثار حوافر ماشية ناحية طريق المدينة. نادية أخدت السجلات وهربت في الضلمة ناحية “مصلحة الشهر العقاري”، ناوية تلاقي العقد قبل ما فوزي أو رمزي يسبقوها.

​حمزة وقف في نص الحظيرة اللي لسه بتطلع دخان، ريحة الشياط في كل حتة، وقلبه بيدق بعنف، مش من الخوف على الحلال، لكن من الفكرة اللي دخلت عقله زي السكينة. نادية.. الست اللي جت من العدم، اللي في 10 أيام قلبت حياته، أهي هربت في الضلمة ومعاها السجلات، الورق الوحيد اللي بيثبت إن أبوه كان سابق زمانه. بص للرماد اللي كان لحد لحظات “تاريخ” العيلة، ونزل على ركبه، إيده لمست بقايا فانوس غاز مكسور عليه علامة عيلة الرشيدي. صوته طلع مخنوق وهو بيكلم نفسه: “خوّنت الكل يا حمزة، وطلعت خاين لنفسك قبل ما يكونوا هما خاينينك”.

​بسرعة البرق، فك الحصان الوحيد اللي فاضل عنده، وركب من غير سرج، وطلع ورا أثر حوافر المهرة في ضلمة الجبل. طول الطريق، صوته بيكلمه: “عشر أيام.. كانت كفاية إنها تخليني أحس إني لسه حي، ليه يا نادية؟ ليه؟”. وصل لآخر الطريق، لمحات من ضوء كشافات عربية من بعيد خلت جسمه يتشد. كان شايف نادية، بس مش بتهرب.. كانت مركونة بـ “المهرة” ورا صخرة كبيرة، ومستنية عربية “رمزي” أخوه اللي كانت جاية وراها بسرعة جنونية، وكأنها بتستدرجهم لمنطقة ضيقة بين جبلين.

​حمزة نزل من على حصانه، استخبى ورا صخرة قريبة وسمع صوت عربية رمزي فرملت جنب المهرة. نزل رمزي ومعاه اتنين من رجال الباشا، بيزعقوا: “انزلي يا نادية، وسلمي السجلات، وارجعي مكان ما جيتي، الباشا مش هيسيبك لو عرف إنك معطله!”. نادية طلعت من ورا الصخرة، صوتها كان ثابت، بيتردد في الجبل زي صوت الجرس: “كنت فاكرة إن الدم بيحن يا رمزي، بس لقيت إنك بايع أخوك عشان حفنة فلوس من راجل مش بيشوف غير مصلحته”. رمزي ضحك بسخرية: “أخويا ميت وهو عايش، المزرعة دي ميتة، وأنا عايز أعيش!”.

​في اللحظة دي، حمزة خرج من الضلمة، صوته كان زي الرعد: “وأنا اللي كنت فاكرك أخويا، طلعت أنت الميت يا رمزي”. رمزي اتجمد، وشه اصفر، حاول يمثل الثبات: “حمزة؟ أنت لحقتنا؟”. حمزة مقربش منه، كان باصص لنادية اللي عينها كانت بتلمع في الضلمة، نظرة كان فيها عتاب وحزن وتحدي. حمزة بص لأخوه ببرود: “نادية كانت بتحمي الورق اللي بيضمن حقنا، وأنت كنت بتحمي الراجل اللي بيسرق تاريخ أبونا”.

​رجال الباشا طلعوا سلاحهم، نادية بصت لحمزة بصوت واطي ومحذّر: “معاكش سلاح يا حمزة، السجلات في شنطتي، والمنطقة دي مراقبة”. حمزة خد نفس عميق، ووقف قدام نادية بجسمه كله، كأنه بيقولها “أنا هنا”. رمزي اتوتر، زعق لرجاله: “خلصوا عليهم، الباشا مش عايز حد فيهم يوصل الشهر العقاري!”. حمزة مشي خطوة لقدام، وعيونه في عين رمزي: “لو عايز الأرض يا رمزي، خدها.. بس قبلها لازم تعدي على جثتي، زي ما أبونا ضحى بكل حاجة عشان يسيب لنا اسم مرفوع”.

​نادية شافت في عين حمزة نظرة لأول مرة.. نظرة الراجل اللي استرد روحه، وقالت في سرها: “مش هتموت يا حمزة، أنا ما جيتش عشان أضيع اللي بنيته”. وفجأة، نادية سحبت من جيبها “مفتاح” قديم، وقالت بصوت عالي وهي بتبص لرمزي: “الورق مش بس في الشنطة.. أنا صورت كل حاجة وبعت نسخها للنيابة قبل ما اتحرك من المزرعة، أي حركة غلط منكم دلوقتي، أنتم اللي هتروحوا في داهية!”. رمزي وقف مذهول، الكدبة اتكشفت، والوضع اتقلب.. حمزة ابتسم لأول مرة بصدق، وشد نادية وراه وهو بيواجه أخوه، والضوء بدأ يظهر في آخر الطريق، كأنه شمس يوم جديد لأرض “أبو سمرة”.

​رمزي بصلهم والشرارة في عينه اتحولت لرعشة خوف، صوته بدأ يتهز وهو بيحاول يجمع شتات نفسه: “أنتي بتهددي مين يا بت إنتي؟ فاكرة إن حكايات النيابة دي بتخوفنا؟ فوزي بيه يشتري النيابة والبلد بحالها!”. حمزة خطى خطوة تانية، كان زي الجبل اللي بيتحرك، صوته طلع واطي بس تقيل زي الرصاص: “فوزي بيه يشتري مين يا واطي؟ فوزي بيه اللي بيحرق حظيرة عشان خايف من ورقة قديمة؟ لو كان واثق في قوته مكنش بعتك أنت يا خاين عشان تخلص ليلي!”.

​رجال الباشا بصوا لبعض، واحد منهم نزل سلاحه وبص لرمزي بقرف: “أنت قلتلنا مشكلة ورث، مقلتش إن فيها حرق جنائي وسرقة عقود.. أنا مش هلبس قضية جنايات عشان خاطر طمعك”. رمزي صرخ فيهم: “يا بهايم! ارجعوا مكانكم! ده مجرد تهديد!”. في اللحظة دي، نادية استغلت لحظة التردد، وطلعت من جيبها التاني “صفارة” خشبية قديمة، صفارة كانت بتستخدم في العزبة زمان لنداء العمال، ونفخت فيها بكل قوتها. صوتها كان حاد ومرعب في سكون الجبل.

​من بعيد، بدأت أنوار كشافات تظهر، أصوات خيول وعربيات كارو جاية من ناحية العزبة. حمزة استغرب: “إيه ده يا نادية؟”. نادية ابتسمت نص ابتسامة وهي بتبص لرمزي: “أهل العزبة اللي كانوا فاكرينك يا حمزة منبوذ، لما لقوا الحظيرة بتتحرق، ولما عرفوا إن فيه حد غريب بيحاول ينهب ميتهم اللي بيشربوا منها، اتحركوا. أنا مش بس كنت بشتغل في الأرض، أنا كنت بلم الناس، بفكرهم مين هو العمدة فراج اللي كان بيطعمهم وقت القحط”.

​رمزي لقى نفسه محاصر، الناس بدأت تظهر من عتمة الطريق، عيونهم مليانة غضب. أهل العزبة مش جايين يهزروا، جايين يحموا “العين” اللي بتحييهم. رمزي حاول يركب عربيته ويهرب، بس حمزة كان أسرع، نطه كانت زي النمر، شد رمزي من ياقة قميصه ونزله على الأرض: “أبويا مكنش مجنون يا رمزي، كان بيزرع فينا الأمانة، وأنت زرعت فيك الغدر.. النهاردة الحساب مش على المزرعة، الحساب على اللي بعته لأخوك”.

​حمزة ساب رمزي مرمي على الأرض، وراح ناحية نادية، مسك إيدها اللي كانت بتترعش من التوتر، نظراتهم اتلاقت، وفي اللحظة دي، مكنش فيه مسافات بينهم. حمزة بص لأهل القرية وقال بصوت عالي: “دي نادية، اللي لولاها كان زمان الأرض دي بقت ملك للباشا، وكان زمانا بنشحت ميتنا”. نادية بصت لرمزي اللي كان بيحاول يقوم، وقالتله بصوت مسموع: “روح للباشا بتاعك، قوله إن فيه عيلة في كفر الغريب لسه عايشة، وإن العقود بقت في أمان، ولو قرب من عين المية تاني، مش هنحتاج للقانون عشان يوقفنا”.

​رمزي هرب بعربيته وهو بيجر أذيال الخيبة، والناس بدأت تحيط بحمزة ونادية، نظراتهم لنادية اتغيرت من الرفض والشك للتقدير والاحترام. حمزة بص لنادية، ملامحه اللي كانت ناشفة بقالها سنين دابت، سألها بصوت خافت: “انتي منين؟ وليه عملتي كل ده؟”. نادية بصت للجبل اللي كان بيتنور بأول خيوط الفجر وقالت: “أنا من هنا يا حمزة، من وجع الأرض اللي ما حدش بيحس بيه، ومن وعد قطعته على نفسي إني هصلح اللي انكسر.. حتى لو كان اللي انكسر ده قلب راجل زيك”.

​الشمس طلعت، نورت المزرعة، ولأول مرة من 4 سنين، حمزة ما حسش بالوحدة. مشي جنب نادية راجعين للبيت، مش كأنه بيصلح سور، لكن كأنه بيبدأ حياة، وحمزة عرف وقتها إن الست دي مش بس أنقذت أرضه، دي أنقذت الراجل اللي كان مدفون جواه.

​الأيام اللي بعد كده كانت أشبه بـ “معجزة” في كفر الغريب. المزرعة اللي كانت ميتة دبت فيها الروح من تاني؛ العمال اللي كانوا هاربين من جبروت الباشا ورجالته رجعوا يشتغلوا مع حمزة ونادية، والبير اللي نادية اكتشفتها بقت هي شريان الحياة اللي بيسقي أرض العزبة كلها مش بس أرض حمزة. فوزي الرشيدي ما رجعش تاني، كان عارف إن الورق اللي في إيد النيابة والناس اللي بقوا ضهره وسنده حمزة مش هيخلوه يعرف يخطو خطوة واحدة ناحية الأرض، ده غير إن سمعته في السوق بدأت تتهز بعد ما الناس عرفت إنه حاول يسرق حقوقهم المائية.

​رمزي اختفى تماماً، مابقاش له حس، يمكن الخوف من عار الخيانة أو يمكن لسه بيخطط في الخبايا، بس حمزة كان مستعد. وفي ليلة هادية، بعد ما خلصوا تعب اليوم في الأرض، قعدوا قدام بيت العمدة فراج اللي نادية رجعته لحالته القديمة. الهواء كان بارد، والنجوم في سما الجبل بتبان قريبة، حمزة بص لنادية اللي كانت بتنضف كفوف إيديها من طين الأرض، وبدأ يتكلم بصوت أول مرة يخرج من قلبه: “يا نادية.. أنا عشت 4 سنين ميت، كنت بفتح عيني الصبح عشان أخلص اليوم وأنام تاني، مكنتش مستني بكرة. إنتي ظهرتي في وقت كنت خلاص بدأت أبيع فيه روحي مع الأرض”.

​نادية بصتله، عينيها كانت بتلمع في ضوء القمر، وقالت بهدوء: “أنا كنت زيك يا حمزة، كنت هربانة من وجع في حياتي، ولقيت في جواباتك اللي كنت بتبعتها زمان -قبل ما تقفل على نفسك- روح تانية كنت محتاجة أعيشها. أنا ماجيتش عشان أصلح مزرعة، أنا جيت عشان أصلح نفسي، ولقيتك أنت كنت محتاج نفس الحاجة”.

​حمزة قرب منها خطوة، ونبرة صوته اتغيرت وبقت أدفى: “أنا مش عارف أقولك إيه على اللي عملتيه، بس المزرعة دي النهاردة بقت ملكك زي ما هي ملكي.. ده بيت بيتك، والأرض دي أرضك”. نادية ابتسمت، ضحكتها كانت أول مرة حمزة يشوفها صريحة كده، وقالت: “المزرعة مش محتاجة ملك يا حمزة، محتاجة حد يصونها. وأنا لقيت مكاني اللي أقدر أبني فيه اللي راح مني، معاك”.

​في اللحظة دي، حمزة عرف إن “الوعود” اللي كانت مكتوبة على الورق، بقت حقيقة ملموسة في حضن الأرض. ومن بعيد، كان صوت المية وهي بتجري في قنوات الري بيغني لحن الحياة اللي رجع للعزبة. حمزة قام، مدد إيده لنادية، وهي مسكتها بقوة، وقاموا مع بعض يتمشوا في طريق الجبل، مش كغرباء زي ما دخلوا، لكن كأصحاب دار وأرض، بيبدأوا فصل جديد من قصة ما بقتش مجرد ورث، بقت قصة “حياة” تانية اتكتبت من جديد في قلب الصعيد.

​الهدوء اللي ساد العزبة بعد العاصفة مكنش معناه إن الحرب خلصت، لكن كان معناه إن قواعد اللعبة اتغيرت. بعد أسبوع، وصلت لحمزة دعوة رسمية من “كبار العائلات” في الصعيد، مش عشان خناقة ولا عشان تصفية حسابات، لكن عشان يرجعوا “عمدة” البلدية لبيته، مكان أبوه العمدة فراج اللي الكل كان بيحترمه. حمزة كان متردد، وقف قدام المراية بيمسح وشه، بص لنادية اللي كانت بتجهز “القهوة” كعادتها كل صباح، وسألها: “إنتي شايفة إني أقدر أشيل حمل زي ده؟ أنا اللي كنت عايز أبيع كل حاجة من شهر، هعرف أكون عمدة للناس دي؟”.

​نادية سابت اللي في إيدها، قربت منه وعدلت “العمامة” على راسه بلمسة هادية، وقالت بنبرة واثقة: “العمدة مش بالمنصب يا حمزة، العمدة باللي بيحس بوجع الناس وبيروي أرضهم قبل ما يروي أرضه. أنت بقيت كده فعلاً، والناس مش بس شافت ده، دي لمسته في شجر البرسيم اللي اخضرّ وفي المية اللي رجعت تجري. وافق يا حمزة، عشان خاطر أبوك، وعشان خاطر الناس اللي لقت فيك ضهر بجد”.

​حمزة نزل العزيمة بقلب جامد، ولبس لبس العمدة اللي كان مركون في الخزانة من سنين. لما دخل “الديوان”، الكل قام وقف. حتى الناس اللي كانوا بيطبلوا للباشا فوزي، انحنوا لحمزة، مش خوفاً، لكن احتراماً لرجولته اللي ظهرت في وقت الضيق. فوزي الرشيدي كان قاعد في ركن بعيد، عيونه بتشرار نار، بس لما حمزة بص له نظرة واحدة ثابتة، فوزي عرف إن زمن “الفتونة بالفلوس” انتهى، وإن زمن “الكلمة والرجولة” رجع.

​في نص القعدة، وقف “رمزي” أخو حمزة. دخل الديوان وراسه في الأرض، ملامحه كانت متغيرة وكأنه كبر عشر سنين في أسبوع. مشي وسط الناس لحد ما وصل قدام أخوه، وسط صمت رهيب من الحاضرين. رمزي ركع قدام حمزة، وبصوت مبحوح قال: “حقك عليا يا أخويا. الغلطة مكنتش في الفلوس، الغلطة كانت في قلبي اللي سوده الطمع. أنا مستعد أتنازل عن نصيبي في الأرض، وأشتغل أجير عندك، بس سامحني”. حمزة بص لأخوه فترة طويلة، ملامح القسوة اللي كانت مرسومة على وشه لانت، وشد رمزي وقومه بـ “حضن أخوات”. العفو كان الضربة القاضية اللي خلت فوزي الرشيدي يلم شنطه ويمشي من البلد، لأنه فهم إن “البيوت اللي بتتبني بالدم والرحمة، مفيش قوة في الدنيا تهزها”.

​بالليل، حمزة ونادية كانوا راجعين للمزرعة. الطريق كان منور بضوء القمر، والزرع كان بيهفهف مع الهوا. حمزة مسك إيد نادية وقال: “كنت فاكر إني جيت هنا عشان أدفن نفسي مع مراتي، طلعت جيت هنا عشان ألاقي روحي معاكي. يا نادية، البيت ده من غيرك ملوش روح، والعزبة دي من غيرك مكنتش هتعرف يعني إيه أمل. تتجوزيني؟”.

​نادية وقفت، بصت للسما وبعدين بصت في عيون حمزة، وابتسامة صافية رسمت على وشها: “أنا كنت مستنية السؤال ده من أول يوم حطيت فيه رجلي على تراب أرضكم. أنا موافقة يا حمزة.. مش بس عشان نحمي الأرض، بس عشان نعيش فيها، ونبني بيت، ونربي عيال يعرفوا إن الأرض دي مش بس ورث، دي حياة”.

​وفي عزبة “كفر الغريب”، ومن تحت شجرة الجميز الضخمة اللي شافت حكاية العمدة فراج وحمزة، بدأت حكاية تانية خالص.. حكاية راجل لقى قلبه، وست لقت وطنها، وأرض شربت من المية الصافية، وطرحت فرح بعد سنين من الجفاف.

​الفرحة في “كفر الغريب” مكنتش مجرد ليلة، دي كانت عرس رد الروح للبلد كلها. الناس اللي كانوا بيبصوا لنادية بغيرة وشك، بقوا هما اللي بيجهزوا البيت، والستات اللي كانوا بيتهامسوا عليها، هما اللي بيزوقوا الحيطان بورد الجبل والياسمين البري. حمزة كان بيتحرك في الأرض كأنه شاب عنده عشرين سنة، بيصلح، وبيرمم، وبجهز “دار العمدة” عشان تستقبل نادية كعروسة مش بس كشريكة كفاح.

​يوم الفرح، كان الجبل كله بيغني. حمزة كان لابس جلبابه الصعيدي الأبيض، والابتسامة اللي كانت غايبة عن وشه سنين رجعت نورت ملامحه القاسية. لما نادية طلعت من أوضة العمدة فراج، وهي لابسة “التوب الصعيدي” المطرز بخيوط الدهب اللي العمدة كان شايله لليوم ده، الكل سكت. مكنتش مجرد ست جميلة، كانت رمز للقوة اللي رجعت العافية للبلد. حمزة قرب منها، مسك إيدها وباسها قدام الكل، وقال بصوت واطي مسموع بس ليها: “النهار ده مش بس فرحنا، ده عيد ميلاد حياتنا الجديدة”.

​بعد الفرح، الحياة أخدت مجرى تاني خالص. المزرعة بقت مدرسة للكل، نادية علمت الستات إزاي يستغلوا المية في زراعة محاصيل جديدة، وحمزة وسع “عين المية” وبنى عليها نظام ري حديث يضمن إن ولا شبر أرض في العزبة يعطش. رمزي، اللي كان السبب في كل اللي حصل، اختفى من دور “المخرب” وبقى دراع حمزة اليمين، بيشرف على العمال وبيرد بضاعته لربنا قبل ما يردها لأخوه.

​سنتين عدوا، والعزبة بقت أحسن حال. وفي يوم صيفي، والكل قاعد تحت شجرة الجميز، نادية كانت بتنادي على “عز الدين” -ابنها الصغير اللي سمته على اسم جده العمدة فراج- عشان يلحق أبوه في الغيط. حمزة كان واقف بعيد بيبص على ابنه وهو بيجري على الأرض الخضراء، ونادية راحت وقفت جنبه، حطت إيدها في إيده، وبصت للزرع اللي بيطرح خير.

​حمزة بص لها، وعيونه فيها لمعة رضا: “فاكرة أول يوم جيتي فيه؟ لما كنت عايز أطردك وأقولك إن الأرض دي ميتة؟”. نادية ضحكت وقالت: “فاكرة كويس.. كنت فاكرة إنك راجل قاسي، ماكنتش عارفة إنك كنت بس محتاج حد يذكرك إن الجبل مهما نشف، تحت منه خير كتير، بس محتاج اللي يحفر عشان يطلعه”.

​حمزة ضم إيدها أكتر وقال: “انتي اللي حفرتي، وانتي اللي طلعتي الخير ده من قلبي قبل ما تطلعيه من الأرض”. في اللحظة دي، هبت نسمة هوا باردة من ناحية الجبل، حملت معاها ريحة الأرض المروية والزرع الأخضر، وكأن الأرض نفسها بتبارك عيلة حمزة ونادية. كفر الغريب ما بقتش مجرد اسم على خريطة منسية، بقت حكاية بتتحكي في كل قعدة، حكاية نادية اللي سافرت عشان تدور على “راجل”، فلقيت “وطن”، وحمزة اللي كان فاكر إنه “دفن نفسه”، فلقى “حياة” تانية كانت مستنياه تحت تراب الجبل.

​انتهت الحكاية، بس الخير اللي اتزرع في الأرض وفي قلوب الناس، فضل يكبر، يكبر.. ويطرح فرح يغطي كل شبر في قلب الصعيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *